متسوّل على هيئة ابن نعمة!
حكاية من ساحة سعد الله الجابري بحلب
حدث منذ قليل في ساحة سعد الله الجابري بحلب، أنني كنت أعبر الطريق حين رنّ هاتفي فجأة، وكأن الحياة قررت أن تختبر قدرتي على إدارة الأزمات في وقت واحد.
كنت أحمل بيدٍ علبة التبغ والقدّاحة، وباليد الأخرى فنجان قهوتي ومدّخر شحن هاتفي. كنت أشبه بإنسان يحمل ما تبقى من حضارة هذا البلد: قليلًا من التبغ، وقليلًا من الكافيين، وشيئًا من الكهرباء المخزّنة، تحسبًا لانقطاع الحضارة من جديد.
ولأنني لا أريد أن أسكب القهوة، ولا أن أسقط الهاتف، ولا أن أرتكب مجزرة بحق أعقاب السجائر، اضطررت إلى وضع فنجاني على طابون سيارة مركونة إلى جانبي. سيارة فخمة جدًا، لا أعرف نوعها ولا بلد منشئها ولا ثمنها، لكنني متأكد أن ثمنها يكفي لإطعام حيّ كامل، أو لتسديد فواتير الكهرباء عن عائلة سورية حتى إشعار آخر.
كانت سيارة تليق برجل لا يسأل عن سعر ربطة الخبز، ولا ينتظر الكهرباء كي يشحن هاتفه، ولا يحسب المسافة بين البيت والعمل وفقًا لما تبقى في جيبه.
أنهيت المكالمة، حملت قهوتي، ومضيت في حال سبيلي، مطمئنًا إلى أنني لم أرتكب جريمة سوى وضع فنجان قهوة على سيارة لا أعرف حتى كيف تُفتح أبوابها.
فجأة اعترضني شرطي مرور، وقال بلهجة من اكتشف للتو أنني المسؤول عن جميع أزمات السير في البلاد:
ـ وقفتك غلط... امشِ من هون!
قلت في نفسي: لا بد أن مسؤولًا كبيرًا قادم، ربما يحمل على كتفيه نصف الدولة، وعلى بطنه النصف الآخر، ويريد أن يعبر الطريق دون أن تعترضه الحقيقة.
قلت للشرطي: ـ أنا تحت أمرك.
ومشيت.
فازداد غضبه: ـ امشِ من هون!
قلت: ـ والله مشيت!
وأدرت له ظهري، ظنًا مني أن القضية انتهت، وأنني سأعود إلى قهوتي وهمومي وفواتيري، وهي ثلاثية لا ينقصها سوى نشيد وطني.
لكنه صاح: ـ سأحجزك!
في تلك اللحظة مرّت أمام عيني جميع الفواتير المتراكمة عليّ، وخصوصًا فاتورة الكهرباء. فكرت أن الحجز قد يكون فرصة للراحة من العدادات، وربما يقدمون لنا في السجن وجبة طعام منتظمة، بدل أن نعيش على مواعيد الرواتب المتأخرة.
وبعد قليل فهمت أن كلمة «امشِ» لا تعني أن أمشي على قدمي، بل أن أركب السيارة وأغادر بها!
قلت له باستغراب: ـ لكنها ليست سيارتي!
نظر إلى ثيابي وهيئتي وقال ما معناه: ـ لباسك يوحي بأنها سيارتك!
يا للمفارقة! في بلادنا أصبحت الثياب سند ملكية، والبدلة الرسمية صكًّا عقاريًا، أما الأستاذ الذي يرتدي ثيابًا عادية فقد يصبح موضع اشتباه إذا اقترب من سيارة فخمة. يبدو أنني كنت أحتاج إلى ارتداء ربطة عنق كي أثبت أنني لست مالك السيارة، أو ربما إلى شهادة راتب كي أثبت أنني لا أستطيع شراء إطار منها!
اضطررت عندها إلى إخراج آخر بطاقة أملكها: ـ أنا أستاذ، مدرس لغة عربية في مديرية التربية بحلب.
نظر إليّ باستخفاف وقال: ـ الشغل مو عيب!
ثم أضاف: ـ أهلين أستاذ!
وأتبع التحية بحركة من فمه ويديه لم أفهمها حتى الآن. لم أعرف إن كان يرحب بي، أم يقدم واجب العزاء بمستقبلي، أم يوصيني بالصبر على هذه المهنة التي لا تطعم خبزًا ولا تشتري سيارة.
ربما كان يقول لي: كان بإمكانك أن تصبح صاحب سيارة، لكنك اخترت أن تصبح صاحب رسالة!
وهكذا اكتشفت أنني متسوّل على هيئة ابن نعمة، وأن أفقر ما في مظهري ليس ثيابي ولا حذائي ولا فنجان قهوتي، بل مهنتي.
رحم الله والدي، كان مدرسًا، وعاش التجربة نفسها. وها أنا بعد كل هذه السنين أكرر حكايته، كأن التعليم إرث عائلي لا نستطيع بيعه ولا التنازل عنه، حتى لو عرضناه في سوق الخضار إلى جانب البقدونس والنعناع.
تغيّرت السيارات، وتغيّرت الفواتير، وتغيّر شكل الوطن، لكن نظرة المجتمع إلى المدرس بقيت في مكانها.
نحن نعلّم أبناء الناس كيف يقرؤون العالم، وكيف يميزون بين الفاعل والمفعول به، وبين الحق والباطل، وبين الجملة الاسمية والفعلية. نعلّمهم أن الكرامة لا تُشترى، وأن الإنسان يُقاس بعلمه وأخلاقه، لا بما يملك في مرآب منزله.
لكننا، في نهاية الشهر، نعجز عن التمييز بين الراتب والدَّين، وبين الرغيف والحلم، وبين الحاجة إلى شراء كتاب والحاجة إلى شراء دواء.
يا للمفارقة! نُخرّج أجيالًا تقود المستقبل، ثم نعود إلى بيوتنا لنبحث عن وسيلة نصل بها إلى آخر الشهر.
ليس مؤلمًا أن لا أملك سيارة فخمة، ولا أن أضع فنجان قهوتي على طابون سيارة غريبة؛ المؤلم أن تصبح مهنة التعليم سببًا للشفقة، وأن يحتاج المعلم إلى الاعتذار عن مهنته بدل أن يفخر بها.
أنا لست متسوّلًا، لكنني أعيش في زمن يجعل المعلم يبدو كذلك.
ولعل أكثر ما يؤلمني أنني لم أرث عن أبي سيارة ولا عقارًا، بل ورثت عنه مهنة عظيمة، ومجموعة من الفواتير، وكرامة نحاول كل يوم أن نحميها من الدهس.
المدرس فؤاد أحمد العاروني مدرس لغة عربية ـ مدرسة الفرنسسكان سوريا ـ حلب
التعليقات
وااا أسفاه على مجتمع ينظر إلى قيمة حذاء المتكلم قبل أن ينظر إلى قيمة علمه وعقله!
آخرُ الزمان أستاذي... للهِ الأمر من قبلُ ومن بعد... مقامكم عالى أيها الأديب الكبير💝