مفتاح البيت
صفحة 1 من 19الفصل الأول: مفتاح البيت
حين خرجت العائلة من البيت، لم يأخذ أبو سليم معه شيئًا تقريبًا.
ترك الخزانة.
ترك السجادة التي ورثتها أم سليم عن أمها.
ترك ماكينة الخياطة.
ترك صورة أبيه معلقة فوق السرير.
حتى شجرة الليمون التي زرعها بيديه عند الباب تركها للماء والريح ولمن يأتي بعده.
لكنه أخذ المفتاح.
وضعه في جيب معطفه، ثم تحسس الجيب بيده كأنما يريد أن يتأكد أن البيت ما زال هناك.
قالت أم سليم:
— لماذا أخذته؟
قال:
— سنعود.
لم تجبه.
كانت تعرف أن الإنسان حين يقول «سنعود» لا يكون دائمًا واثقًا من العودة، وإنما يحاول أن يقنع نفسه بأن الطريق الذي أمامه ليس طريقًا بلا نهاية.
كان سليم، ابنه الأكبر، واقفًا عند الباب.
في يده حقيبة صغيرة.
قال:
— أبي، لن نعود غدًا.
نظر إليه أبوه.
— ومن قال غدًا؟
— إذن متى؟
أدار أبو سليم المفتاح في الباب.
صدر صوت خافت.
صوت قفلٍ يعرف صاحبه.
ثم وضع المفتاح في جيبه.
— عندما تنتهي الحكاية.
قال سليم:
— أي حكاية؟
رفع الأب عينيه إلى الشارع.
لم يكن في الشارع أحد.
— هذه.
خرجوا قبل الفجر.
كان الطريق أكثر هدوءًا من اللازم.
المدينة التي كانت تعرف أسماء سكانها صارت لا تعرف إلا أصواتها.
مرّوا بجانب المدرسة.
قالت الصغيرة مريم:
— أمي، هل ستفتح المدرسة غدًا؟
قالت الأم:
— نعم.
سأل سليم:
— كيف عرفتِ؟
قالت:
— لأن الأطفال يجب أن يعودوا إلى مدارسهم.
كان أبو سليم يمشي أمامهم.
سمع الجملة ولم يلتفت.
في آخر الشارع، توقف.
نظر إلى البيت.
لم يكن يراه كاملًا من ذلك المكان.
رأى نافذة غرفة سليم.
ثم شجرة الليمون.
ثم الباب.
رفع يده.
لوّح.
ضحك سليم.
— لمن تلوّح؟
قال:
— لأبي.
— لكنه مات.
— أعرف.
ثم تابع السير.
عند أول حاجز، صاروا أرقامًا.
أسماءهم كانت طويلة على رجال لا يملكون وقتًا لقراءتها.
قال الرجل:
— الاسم؟
قال أبو سليم اسمه.
— إلى أين؟
صمت.
كان السؤال بسيطًا، لكنه لم يجد له جوابًا.
إلى أين؟
إلى القرية المجاورة؟
إلى المدينة؟
إلى الحدود؟
إلى بلاد لا يعرف لغتها؟
إلى مكان لا يسأل فيه أحد لماذا تركت بيتك؟
قال:
— إلى عند أقاربنا.
نظر الرجل إليه.
— أين؟
قال أبو سليم:
— في الخارج.
ضحك الرجل.
— كل الخارج صار عندكم أقارب.
ضحك آخرون.
لم يضحك أبو سليم.
أمسك المفتاح في جيبه.
بعد أيام، وصلوا إلى المخيم.
كان المخيم مدينة بلا ذاكرة.
الخيام متشابهة.
الوجوه متعبة.
الأطفال يعرفون أسماء الدول أكثر مما يعرفون أسماء الشوارع.
في اليوم الأول، سألت مريم:
— أين بيتنا؟
قالت أمها:
— هنا.
نظرت مريم إلى الخيمة.
— هذا ليس بيتًا.
قالت الأم:
— سيصبح.
لم تقل مريم شيئًا.
في الليل، أخرج أبو سليم المفتاح.
وضعه تحت رأسه ونام.
رأته أم سليم.
قالت:
— ما زلت تؤمن بالعودة؟
قال:
— لا.
سكتت.
ثم قالت:
— فلماذا تحتفظ به؟
أجاب:
— لأنني أخاف أن أنسى الباب.
مرت الشهور.
كبر الأطفال.
مات رجل في الخيمة المجاورة.
ولد طفل في الخيمة الأخرى.
تزوج شابان.
غادر بعضهم.
عاد بعضهم.
ولم يعد أحد يعرف أيهما أصعب: أن تغادر، أم أن تنتظر.
أما المفتاح، فبقي في جيب أبي سليم.
كان يخرجه أحيانًا.
ينظر إليه.
ثم يعيده.
حتى صار سليم يكرهه.
وفي ليلة شتوية، قال لأبيه:
— أعطني إياه.
— لماذا؟
— أريد أن أرميه.
قبض الأب على المفتاح.
— لا.
— هذا المفتاح لا يفتح شيئًا.
— أنت مخطئ.
— ماذا يفتح؟
نظر إليه أبوه طويلًا.
وقال:
— الذاكرة.
ضحك سليم.
— الذاكرة لا تحتاج إلى مفتاح.
قال أبو سليم:
— لهذا السبب هي أصعب الأبواب.
بعد سنوات، صار سليم يعيش في مدينة بعيدة.
تعلم لغة جديدة.
عمل في مطعم.
تزوج.
ولد له طفل لم يرَ سوريا إلا في الصور.
وفي إحدى الليالي، اتصلت به أمه.
قالت:
— أبوك مات.
ظل صامتًا.
سأل:
— أين المفتاح؟
قالت:
— في جيبه.
أغلق الهاتف.
في الصباح، أخرج من درج مكتبه صورة قديمة.
كان أبوه واقفًا أمام البيت.
وراءه شجرة الليمون.
وفي يده المفتاح.
نظر سليم إلى الصورة طويلًا.
ثم قال لابنه:
— هذا بيت جدك.
سأله الطفل:
— أين هو؟
فتح سليم فمه.
أراد أن يقول: هناك.
لكنه لم يعرف أين تكون «هناك» بعد كل هذه السنوات.
قال:
— كان هناك.
ثم أدرك أن أباه، يوم خرج من البيت، لم يكن يحمل مفتاح البيت فقط.
كان يحمل مستقبلًا لم يعرف أنه سيصبح ماضيًا.
وأما سليم، فلم يكن يعرف بعد أن عليه، ذات يوم، أن يقرر:
هل يعيد المفتاح إلى الباب، أم يدفنه مع أبيه؟
تعليقات الصفحة