الطريق
صفحة 2 من 19لم يكن الطريق إلى الحدود طويلًا في الخرائط.
لكن الخرائط، كما كان يقول أبو سليم، لا تعرف شيئًا عن أقدام الناس.
في اليوم الثالث، نفد الخبز.
في اليوم الرابع، نفد الماء.
وفي اليوم الخامس، لم يعد أحد يسأل كم بقي.
كانت أم سليم تحمل مريم على كتفها حين قالت:
— هل وصلنا؟
قال أبو سليم:
— تقريبًا.
لم تكن تعرف معنى «تقريبًا»، لكنها لم تعد تسأل.
كان سليم يمشي في آخر المجموعة.
منذ خرجوا من البيت، صار ينظر إلى الخلف أكثر مما ينظر إلى الأمام.
كلما ارتفع الطريق، ظهرت المدينة بعيدة، كأنها شيء نسيه أحدهم فوق الطاولة.
قال لأخته:
— هل تذكرين شجرة الليمون؟
قالت:
— أي شجرة؟
توقف.
نظر إليها.
كانت مريم في التاسعة.
قال:
— شجرة بيتنا.
هزت رأسها.
— لا.
كان أبو سليم يسمع.
لم يلتفت.
عند الغروب، جلسوا قرب سور حجري.
أخرج الأب رغيفًا يابسًا.
قسمه إلى أربعة أجزاء.
قالت أم سليم:
— وخامس؟
نظر إليها.
— لمن؟
أشارت إلى مريم.
— هي لم تأكل.
أعطاها حصته.
قالت:
— وأنت؟
— أكلت.
كان يكذب.
عرف سليم ذلك.
لكنه لم يقل شيئًا.
في تلك الأيام تعلم الجميع أن الكذبة الصغيرة قد تكون أحيانًا شكلًا من أشكال الرحمة.
ومع كل خطوة، كان شيء آخر ينفد منهم غير الطعام والماء. كانت الأسماء نفسها تتساقط من الذاكرة. أسماء الشوارع، رائحة الحي، صوت البائع الذي كان يمر صباحًا، مقعد المدرسة، نافذة الجيران. كأن الطريق لم يكن ينقلهم من مكان إلى آخر، بل كان يمحو المكان الأول ببطء.
كانت أم سليم تلتفت أحيانًا إلى الخلف، ثم تخفض عينيها سريعًا. لم تكن تريد أن يراها الأطفال وهي تبكي. كانت تخشى أن يتعلموا منها أن الوطن شيء يمكن البكاء عليه، لا شيء يمكن العودة إليه.
قال أبو سليم ذات مرة، وهو يراقب الناس من حوله:
— الغريب أن الإنسان لا يعرف قيمة البيت إلا حين يصبح سقفه بعيدًا.
ردت ليلى:
— وربما لا يعرف قيمة الأمان إلا حين يصبح الخوف وطنًا.
لم يعلق أحد.
في منتصف الليل، سمعوا صوت امرأة تبكي.
لم يروا وجهها.
كانت تجلس وحدها قرب الطريق، وبجانبها حقيبة سوداء.
اقتربت أم سليم.
— هل أنت وحدك؟
قالت المرأة:
— كنت.
ثم صمتت.
لم تسألها أم سليم عن زوجها. كانت تعرف أن السؤال قد يفتح بابًا لا يستطيع أحد إغلاقه.
قال أبو سليم:
— تعالي معنا.
رفعت المرأة رأسها.
— إلى أين؟
أجاب:
— إلى حيث نصل.
ابتسمت ابتسامة قصيرة.
— وهل تعرفون أين تصلون؟
قال:
— لا.
قالت:
— إذن سأذهب معكم.
في الصباح، عرفوا اسمها.
ليلى.
كانت معلمة لغة عربية. حملت في حقيبتها دفترًا صغيرًا وقلمًا وحفنة من الأوراق، كأنها خرجت من بيتها إلى درس عادي، ولم تصدق بعد أن الدرس انتهى وأن البلاد كلها تحولت إلى سؤال.
قالت لسليم:
— ما مهنتك؟
— طالب.
— وأنت الآن؟
فكر.
— لا أعرف.
قالت:
— هذه أول مهنة يتعلمها اللاجئ.
ضحك.
كانت أول مرة يضحك فيها منذ أيام.
قالت:
— لا تغضب.
— لم أغضب.
— إذن احتفظ بالضحكة.
قال:
— لماذا؟
— ستحتاج إليها لاحقًا.
لم يفهم.
لكنّه حفظ الجملة.
عند الحدود، كان الطابور طويلًا.
طويلًا إلى درجة أن نهايته اختفت في الغبار.
وقفوا.
ساعة.
ساعتين.
ثلاثًا.
مريم نامت وهي واقفة.
أم سليم حملتها.
أما أبو سليم فظل يده في جيبه، يتحسس المفتاح.
اقترب منه سليم.
قال:
— أبي.
— نعم؟
— إذا دخلنا، هل نصبح بخير؟
نظر إليه.
ثم قال:
— لا أعرف.
— إذن لماذا ندخل؟
قال الأب:
— لأن البقاء صار أخطر من المجهول.
كانت الجملة أكبر من عمر سليم. لم يفهمها يومها، لكنه ظل يحملها معه كما يحمل المرء حجرًا صغيرًا في جيبه؛ لا يعرف لماذا أبقاه، لكنه يشعر أن فقدانه يعني فقدان شيء مهم.
حين عبروا، لم يشعر أحد بأنه عبر.
لا موسيقى.
لا أبواب كبيرة.
لا أحد يقول:
«أهلًا بكم.»
فقط طريق آخر.
وأشجار لا يعرفون أسماءها.
وسماء واحدة.
جلس أبو سليم على حجر.
أخرج المفتاح.
نظر إليه.
قالت ليلى:
— ما هذا؟
قال:
— باب.
ضحكت.
— أين الباب؟
رفع المفتاح في وجه الشمس.
— في مكان لم نعد نعرف كيف نصل إليه.
قالت:
— ربما الباب هو الذي لم يعد يعرف كيف يصل إليكم.
نظر إليها.
للمرة الأولى، شعر أن امرأة غريبة قالت شيئًا كان ينتظره منذ سنوات.
في تلك الليلة، ناموا في غرفة ضيقة مع عشرات الغرباء.
كان لكل شخص قصة.
لكن أحدًا لم يروها.
فالمنفيون لا يحتاجون إلى التعارف طويلًا.
تكفيهم الحقائب.
تكفيهم طريقة النوم.
تكفيهم نظرة واحدة إلى الباب.
في الغرفة، كان طفل صغير يسأل أمه كل بضع دقائق إن كانوا سيعودون غدًا. وكانت الأم تقول: «غدًا»، لا لأنها تعرف، بل لأنها لم تجد كلمة أخرى تستطيع بها تأجيل الحقيقة.
وفي الزاوية، كان رجل عجوز يحدق في حذائه المتسخ. كان يلمس التراب العالق في أطرافه، ثم يمسحه بيده ويعيد النظر إليه، كأنما يبحث بين ذراته عن شارع قديم أو عتبة بيت أو قبر قريب.
قبل أن ينام، أخرج سليم المفتاح من جيب أبيه دون أن يشعر.
ظل ينظر إليه.
كان باردًا.
صغيرًا.
عاديًا.
قال في نفسه:
«كل هذه البلاد، وكل هذا الطريق، وكل هذا الخوف... من أجل قطعة حديد.»
ثم أعاده إلى مكانه.
لكن المفتاح لم يكن قطعة حديد بالنسبة إلى أبيه. كان ذاكرة معلقة بين أصابع رجل فقد بيته، ولم يفقد بعد القدرة على الاعتراف بأنه كان له بيت.
ولم يكن يعرف أن الرجل الذي سرق المفتاح من أبيه تلك الليلة، سيحمله بعد سنوات في جيبه، لا بوصفه مفتاحًا لبيت، بل بوصفه الدليل الوحيد على أنه كان يومًا ابن مكان.
وسيكتشف سليم، بعد أعوام، أن الإنسان قد ينجو من الحدود، لكنه لا ينجو بسهولة من الأشياء التي تركها خلف الحدود.
فبعض الطرق تنتهي عند الأسلاك، وبعضها يبدأ بعدها.
والمنفى ليس أن تعيش بعيدًا عن وطنك فقط؛ المنفى أن تستيقظ ذات صباح فتجد أن المكان الذي كنت تسميه وطنًا لم يعد يعرف اسمك.
لهذا ظل المفتاح معه.
لم يكن يفتح بابًا.
كان يفتح الذاكرة.
تعليقات الصفحة