الذين لايصلون

صفحة 4 من 19
.

الفصل الرابع: الذين لا يصلون

لم تكن الطريق إلى الحدود طويلة بقدر ما كانت الحياة التي يحملونها على ظهورهم. كانت كل خطوة تأخذ منهم شيئًا: قليلًا من القوة، قليلًا من الأمل، ووجهًا آخر من الوجوه التي عرفوها يومًا.

مشى أبو أمينة طوال الليل، متكئًا على عصا أخذها من بيت مهجور. كانت قدمه تؤلمه، لكنه لم يقل شيئًا. كان يخشى أن يتوقف، فإذا توقف ربما لم يستطع النهوض مرة أخرى.

أما أمينة فكانت تحمل الطفلة التي جاءت إليهم في الليلة الأخيرة. كانت الطفلة نائمة، أو هكذا ظنت.

بعد ساعات، اكتشفت أن رأسها صار أثقل من أن تحمله ذراعاها. هزّتها برفق.

— استيقظي...

لم تجب.

توقفت. نظرت إلى وجهها الصغير. كان هادئًا على نحو مخيف.

قال أبوها:

— ماذا حدث؟

لم تجبه. اقترب، ووضع إصبعه تحت أنف الطفلة، ثم سحب يده.

لم يقل شيئًا.

جلست أمينة على الأرض. ضمت الطفلة إلى صدرها، وراحت تمسح شعرها.

قالت:

— كانت تقول إنها تريد أباها.

قال أبوها:

— أعلم.

— وعدتها أنه سيأتي.

ظل صامتًا، ثم قال:

— ربما جاء.

نظرت إليه. لم تفهم إن كان يعزيها أم يكذب على نفسه.

دفنوا الطفلة قرب شجرة وحيدة. لم يكن معهم كفن. نزعت أمينة شالها، ولفّت به الجسد الصغير، ثم وقفت. شعرت للمرة الأولى أن شيئًا من جسدها دُفن هناك أيضًا.

تابعوا الطريق.

كان الصمت يمشي معهم كأنه فرد من العائلة.

بعد يومين، وصلوا إلى نقطة التفتيش. كان الناس عشرات، ثم مئات. أمهات يحملن أطفالًا، رجال يجرون حقائب، شيوخ يمشون ببطء، ووجوه فقدت القدرة على الدهشة.

كان الجميع ينتظرون.

لا أحد يعرف ماذا ينتظر.

الإذن.

العبور.

الموت.

أو معجزة صغيرة.

في منتصف الزحام، أخرج أبو أمينة أوراقه. كانت يده ترتجف.

قال الجندي:

— أين أوراق ابنك؟

سكت. كان أخو أمينة قد فُقد منذ أشهر. لم يكن معهم.

قال الجندي مرة أخرى:

— أين هو؟

قال الأب:

— لا أعرف.

ضحك الرجل.

— إذن كيف تريد أن تثبت أنه موجود؟

نظر الأب إليه طويلًا، ثم قال:

— أنا لا أريد أن أثبت أنه موجود.

توقف قليلًا.

— أريد فقط أن أثبت أنه كان موجودًا.

لم يضحك الجندي هذه المرة.

في الليل، جلسوا على الأرض. أخرجت أمينة من جيبها صورة قديمة للعائلة. كانت الصورة الوحيدة التي نجت: أبوها، أمها، أخوها، وهي. أربعة أشخاص يبتسمون أمام بيتهم قبل الحرب، قبل أن يصبح البيت ذكرى، وقبل أن يصبح الضحك شيئًا يحتاج الإنسان إلى تذكّر كيف كان.

مررت إصبعها على وجه أخيها، ثم قلبت الصورة. كان خلفها تاريخ صغير.

قال أبوها:

— أعطني إياها.

ناولته الصورة.

مزقها إلى نصفين.

صرخت:

— لماذا؟

قال:

— لأننا إذا ضاعت الصورة، سنعرف أنهم عاشوا معنا.

سكتت.

ثم فهمت.

لم يعد يخاف أن ينسوا وجوههم. كان يخاف أن يتحولوا إلى مجرد أسماء، إلى أرقام في قوائم المفقودين، أو حكايات قصيرة يرويها الناجون ثم يسكتون.

في الصباح، ماتت أمها.

لم يعرفوا متى. كانت مستلقية إلى جانبهم، ويداها تحت رأسها. ظنوها نائمة.

حين حاولت أمينة إيقاظها، وجدت يدها باردة.

قالت:

— أمي...

ثم انتظرت.

لم تجب.

وضعت أذنها على صدرها.

لا شيء.

جلست بجانبها. لم تبكِ.

كان البكاء يحتاج إلى ماء، والماء كان أثمن من الدموع.

قال أبوها:

— اتركيها.

قالت:

— لا.

— علينا أن نتابع.

— لا.

ثم أضافت بصوت خافت:

— تعبت من ترك الناس.

لم يجبها.

جلس بجانبها.

وبقيا هناك حتى الظهر.

حينها فقط أدركت أمينة أن أباها لم يكن صامتًا لأنه قوي. كان صامتًا لأنه لم يعد يملك كلمات تكفي لكل الذين فقدهم.

تابعا السير.

كان يحمل نصف حقيبة، وهي تحمل النصف الآخر.

أما أمها، فتركوها تحت شجرة. لم يكن هناك قبر، ولا شاهد، ولا اسم. فقط حجر صغير وضعه الأب عند رأسها.

كتب عليه بأظفره:

«هنا امرأة كانت أمًّا.»

ثم مسح الكتابة.

وقال:

— لا حاجة لأن يعرف أحد.

وسار.

عندما وصلوا إلى الحدود، لم يشعروا بالفرح. كان الناس يصفقون أحيانًا، بعضهم يبكي، وبعضهم يسجد على الأرض. أما أمينة فالتفتت إلى الخلف.

لم ترَ بيتها.

ولا الشجرة.

ولا الجدار الذي حمل أسماء المفقودين.

رأت فقط الطريق.

طريقًا طويلًا ابتلع أهلها واحدًا واحدًا، حتى لم يبقَ منها إلا رجل عجوز وامرأة تحمل نصف حقيبة، ونصف قلب.

وعرفت أن أصعب ما في النجاة ليس أن تصل.

بل أن تصل وحدك.

ومنذ ذلك اليوم، كلما سألها أحد:

— من أين أنت؟

كانت تتردد، ثم تقول اسم بلدها.

لكنها في داخلها كانت تعرف أن الوطن الذي خرجت منه لم يعد موجودًا إلا في ذاكرتها.

وكانت الذاكرة، هي الأخرى، تنزف.

ولذلك، كلما سمعت كلمة «الوصول»، كانت تنظر خلفها.

فبعض الناس يصلون إلى الحدود، ولا يصلون إلى النجاة.

وبعضهم يعبرون البلاد، ولا يعبرون ما حدث لهم.

أما الذين تركوهم على الطريق، فلم يصلوا أبدًا.

وظلوا هناك، في المسافة بين بيتٍ لم يعد موجودًا، ووطنٍ لم يعد كما كان، وذاكرة تحاول كل ليلة أن تعيدهم إلى الحياة.

كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.