البرميل

صفحة 10 من 19
الفصل العاشر: البرميل
كان أبو ليان يعرف صوت الطائرة قبل أن يراها.
يكفي أن يتغير وجه الرجال.
يكفي أن يرفع أحدهم رأسه فجأة.
ثم يبدأ الجميع بالنظر إلى السماء، كأن السماء أصبحت عدوًا له موعد.
في إحدى القرى، كان الناس يخرجون من بيوتهم عند سماع الطائرات.
لم يكونوا يهربون إلى مكان آمن.
كانوا فقط يحاولون الابتعاد عن البيت الذي قد يصبح قبرًا.
وفي ذلك الصباح، رأى أبو ليان طائرة تحلق بعيدًا.
ثم رأى شيئًا يسقط منها.
قال الرجل بجانبه:
— برميل.
لم يفهم أبو ليان لماذا سموه برميلًا.
كان الاسم صغيرًا جدًا على الموت الذي يحمله.
سقط بعيدًا.
اهتزت الأرض.
ارتفع الغبار.
ثم جاء صوت آخر.
ثم آخر.
وفي دقائق، اختفى جزء من الحي.
لم يكن في المكان موقع عسكري واضح.
كانت هناك بيوت.
مدرسة.
مخبز.
امرأة كانت تنشر الغسيل.
رجل يجر عربة صغيرة.
وأطفال يركضون في شارع ضيق.
حين انتهى القصف، لم يعد الشارع كما كان.
خرج أبو ليان مع مجموعة من الرجال.
كان الصمت أثقل من الانفجار.
وجدوا رجلًا ينادي أبناءه.
كان ينادي أسماء ثلاثة.
الأول.
الثاني.
الثالث.
ولا أحد يجيبه.
توقف أبو ليان.
قال له أحد الرجال:
— هيا.
لم يتحرك.
قال:
— علينا أن نساعد.
أجابه أبو ليان:
— أعرف.
ثم نظر إلى الخراب.
— لكن من يساعد هؤلاء؟
لم يجبه أحد.
في المساء، جلس وحده.
كان وجهه مغطى بالغبار.
أخرج صورة بناته.
الصغيرة تبتسم.
الكبرى تضع يدها على كتف أختها.
والوسطى تنظر إلى الكاميرا بخجل.
قلب الصورة.
قال في نفسه:
«لو كنّ هنا...»
ثم توقف.
لم يكمل الفكرة.
كان يخاف حتى من أفكاره.
ففي الحرب، لا يحتاج الإنسان إلى أن يتكلم كي يُعاقب.
أحيانًا يكفي أن يلاحظ أحدهم أنه صمت طويلًا.
في اليوم التالي، قال أحد الجنود:
— لا شأن لنا بالمدنيين.
نظر أبو ليان إليه.
كان يريد أن يقول:
«بل هم شأننا.»
لكنه ابتلع الكلمات.
سأله الرجل:
— ماذا بك؟
قال:
— لا شيء.
قال:
— تبدو شاردًا.
ابتسم أبو ليان.
— لم أنم جيدًا.
لم يكن يستطيع أن يقول الحقيقة.
الحقيقة كانت أخطر من الرصاصة.
في الليل، كتب رسالة إلى زوجته.
«أنا بخير.»
توقف.
مزق الورقة.
كتب:
«رأيت اليوم شيئًا لا أستطيع نسيانه.»
مزقها.
كتب:
«أريد العودة.»
توقف طويلًا.
ثم مزقها أيضًا.
في النهاية كتب:
«قبّلي البنات عني.»
أغلق الرسالة.
كان قد تعلّم أن يقول أقل ما يشعر به، لأن الجدران في الحرب لها آذان، والورق يمكن أن يصبح شاهدًا ضد صاحبه.
بدأ يفكر في الهرب.
في البداية كان التفكير مجرد صورة.
طريق.
ليل.
حقيبة صغيرة.
ثم صار فكرة.
ثم صار إغراء.
ثم صار خوفًا.
كان يعرف أن الهارب لا يصبح حرًا بالضرورة.
قد يصبح مطاردًا.
وقد يُعتقل.
وقد يختفي.
وقد يموت قبل أن يصل إلى بيته.
وكان يعرف شيئًا آخر:
أن بقاءه يعني أن يرى المزيد.
في إحدى الليالي، قال له رجل يثق به:
— اهرب.
نظر إليه أبو ليان.
— إلى أين؟
— أي مكان.
ابتسم أبو ليان بمرارة.
— وهل يوجد «أي مكان» لرجل مثلي؟
سكت الرجل.
ثم قال:
— يوجد مكان واحد على الأقل.
— أين؟
قال:
— في قبرك.
نظر إليه أبو ليان طويلًا.
لم يكن الكلام مزاحًا.
بعد أيام، جاء الأمر بالقصف.
وقف الرجال.
أمسك أبو ليان سلاحه.
لكن يده لم تتحرك.
قال الضابط:
— لماذا متوقف؟
قال:
— لا أستطيع.
ساد الصمت.
اقترب الضابط.
— ماذا قلت؟
أخفض أبو ليان عينيه.
— قلت إنني متعب.
نظر إليه الضابط طويلًا.
ثم قال:
— التعب لا يعفي أحدًا.
عاد أبو ليان إلى مكانه.
كانت أصابعه ترتجف.
لم يكن خوفه من الموت.
كان خوفه من أن يضطر إلى فعل شيء لا يستطيع أن يعيش بعده مع نفسه.
في تلك الليلة، سمع صوتًا من بعيد.
لم يعرف إن كان انفجارًا أم بابًا يُغلق.
استيقظ مذعورًا.
وجد نفسه في بيته.
بناته الثلاث نائمات.
زوجته قربهن.
ركض إلى الغرفة.
مد يده نحو الصغيرة.
ثم فتح عينيه.
لم يكن في البيت.
كان في الجبهة.
أمسك صدره.
بقي جالسًا في الظلام.
فهم عندها أن الحرب لم تعد تحتاج إلى أن تكون أمامه.
لقد انتقلت إلى داخله.
بعد أسبوع، وصل خبر جديد عن قرية أخرى.
قالوا إن القصف أصاب بيوتًا مدنية.
كان أبو ليان يستمع.
لم يقل شيئًا.
ثم سأل أحد الرجال:
— ماذا لو كان بيتك؟
قال الرجل:
— لا أريد التفكير.
قال أبو ليان:
— وأنا أيضًا.
لكن في داخله كان يرى بيتًا آخر.
بيته.
بناته.
زوجته.
والبرميل يسقط.
أغلق عينيه.
شعر لأول مرة أن خوفه لم يعد على نفسه.
كان يخاف أن يعيش حتى يرى ما لا يستطيع احتماله.
في آخر الليل، أخرج مفتاح بيته.
كان يحتفظ به منذ سنوات.
وضعه في كفه.
قال:
— يا رب، لا تجعلني قاتلًا كي أعود إليهن.
ثم قبض على المفتاح.
وفي الصباح، عندما جاء الأمر الجديد، وقف أبو ليان.
مشى مع الرجال.
كان يعرف أنه إذا تكلم قد يُعتقل.
وإذا فرّ قد يُعتقل.
وإذا بقي فقد يموت.
ثلاثة أبواب.
وخلف كل باب خوف.
أما الباب الرابع، باب الضمير، فلم يكن له مفتاح.
ومع ذلك، ظل واقفًا أمامه.
لأنه كان الباب الوحيد الذي لم يستطع أحد أن يغلقه في وجهه.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.