راية فوق الجحيم
صفحة 13 من 19الفصل الثالث عشر: رايةٌ فوق الجحيم
لم يكن سليم يعرف أن الطريق الذي بدأه بكلمة «دين» سينتهي به إلى مكانٍ لا يشبه الدين.
في البداية أعطوه راية.
ثم أعطوه بندقية.
ثم أعطوه اسماً جديداً.
وبعدها طلبوا منه أن ينسى اسمه القديم.
قالوا له إن الرحمة ضعف، وإن من لا يشبههم لا يستحق الحياة، وإن الدم يصبح طاهراً إذا سُفك تحت رايةٍ سوداء.
وكان سليم يسمع.
كلما سمع أكثر، مات شيء في داخله.
دخل أبو ليان القرية بعد يومين من سيطرتهم عليها.
لم يجد الناس في الشوارع.
وجد الأبواب مفتوحة.
الأواني فوق النار.
رغيفاً يابساً على حافة نافذة.
لعبة طفل في منتصف الطريق.
وكان أكثر ما أخافه أن الأشياء بقيت في أماكنها، بينما اختفى أصحابها.
دخل بيتاً صغيراً.
وجد على الجدار صورة عائلية.
أب وأم وطفلان.
أخذ الصورة بيده.
ثم سمع بكاءً خافتاً.
كان طفلاً مختبئاً تحت السرير.
قال أبو ليان:
— لا تخاف يا ابني.
خرج الطفل ببطء.
قال:
— أخذوا أبي.
— وأمك؟
هز رأسه.
لم يستطع الكلام.
فهم أبو ليان.
جلس إلى جواره.
ولم يسأله شيئاً آخر.
بعض الأسئلة تكون قسوة ثانية على الناجين.
في مكان آخر، كانت أم ليان تنتظر.
كل مساء تضع كوباً إضافياً على المائدة.
وحين تسألها الجارات:
— لمن هذا؟
تجيب:
— لسليم.
كانت تعرف أنه لن يأتي.
لكنها كانت تخاف أن تتوقف عن انتظاره.
لأن الأم حين تفقد ابنها مرتين، مرةً حين يأخذه الموت، ومرةً حين تفقد الأمل بعودته، تصبح امرأةً أخرى.
لم يكن القتل وحده هو الجريمة.
كانوا يريدون أن يقتلوا ما قبل القتل أيضاً.
أن يمحوا ذاكرة القرية.
أسماء شوارعها.
صور موتاها.
مقاماتها.
كنائسها ومساجدها القديمة.
وجوه أهلها.
حتى اختلافها.
كانوا يريدون قرية لا تتذكر أنها كانت يوماً قرية.
وكانوا يقولون إنهم يفعلون ذلك باسم الله.
فكان أبو ليان ينظر إلى السماء ويتساءل:
كيف يستطيع إنسان أن يرفع يده بالسكين، ثم يرفعها بالدعاء في اليد نفسها؟
وفي أحد الأيام، وصل خبر النساء اللواتي اقتيدن من بيوتهن.
لم يتحدث أحد بالتفصيل.
كان الصمت نفسه كافياً.
كانت بعضهن قد انفصلن عن أطفالهن، وبعض الأطفال عن أمهاتهم، وأصبح الإنسان عند الخاطفين شيئاً يُنقل ويُباع ويُمنح.
وقد وثقت الأمم المتحدة شهادات عن نساء وفتيات إيزيديات تعرضن للبيع المتكرر والاستعباد والعنف الجنسي، وعن فصل الأطفال عن أسرهم ومحاولات محو هويتهم.
قالت أم ليان:
— أي دين هذا؟
لم يجب أحد.
كانت الإجابة أكبر من قدرة الغرفة.
أما سليم، فقد بدأ يرى الأشياء التي لم يكن مستعداً لرؤيتها.
في إحدى الليالي، وقف أمام رجلٍ مسن.
كان الرجل يرتجف.
قال له:
— يا بني، أنا شيخ كبير.
لم يعرف سليم ماذا يفعل.
اقترب منه أحد المسلحين وقال:
— لا تسمع له.
نظر سليم إلى الرجل.
رأى أباه.
للمرة الأولى منذ شهور.
رأى يدي أبيه.
رأى تجاعيد وجهه.
رأى نفسه طفلاً.
ارتجفت البندقية في يده.
صرخ أحدهم:
— نفّذ!
أغمض سليم عينيه.
وفي اللحظة التي فتحهما فيها، كان قد فقد شيئاً لن يستعيده أبداً.
لم يكن ذلك الرجل وحده الذي مات.
مات سليم أيضاً.
لكن موته كان أبطأ.
بعد أيام، عاد إلى البيت الذي كان قد ترك فيه أمه.
وجدها جالسة قرب الباب.
لم تعرفه في البداية.
ثم قالت:
— سليم؟
توقف.
لم تستطع أن تنهض.
اقترب منها.
قالت:
— شو عملوا فيك؟
لم يجب.
وضعت يدها على وجهه.
كانت يده ترتجف.
قالت:
— كنت أعرف أنك سترجع.
جلس عند قدميها.
ثم بكى.
لأول مرة منذ سنوات.
قال:
— أمي...
وسكت.
لم يسألها أحد ماذا حدث.
لأنها كانت تعرف.
والأم تعرف أحياناً ما لا يستطيع الابن قوله.
في اليوم التالي، وجد أبو ليان المفتاح القديم على الطاولة.
حمله.
كان سليم قد أعاده.
ظل ينظر إليه طويلاً.
قال لنجيب:
— بتعرف شو صار؟
— شو؟
— كانوا مفكرين إنهم لما يقتلوا الناس بيملكوا الأرض.
ثم أغلق يده على المفتاح.
— ما عرفوا إن الأرض بتتذكر.
رفع عينيه إلى الطريق.
كانت القرية مدمرة.
لكن في آخر الشارع، كان طفل يركض خلف كرة صغيرة.
توقف أبو ليان.
نظر إليه.
ثم ابتسم لأول مرة منذ زمن.
قال:
— لسا في حياة.
ثم تابع طريقه.
فوق الخراب كانت راية سوداء.
وتحتها كانت الحياة تحاول أن تنبت.
وكان ذلك، وحده، أكبر هزيمةٍ لهم.
تعليقات الصفحة