رجال بلا ظلال

صفحة 6 من 19
الفصل السادس: رجالٌ بلا ظلال

كان الليل في تلك القرية ينزل مبكرًا.

ليس لأن الشمس تغيب، بل لأن الناس صاروا يخافون الضوء.
صار النهار نفسه يبدو لهم كأنه موعد مؤجل للخطر، وصارت النوافذ تُغلق قبل أن تشتد العتمة، والأبواب تُسند من الداخل بما تيسر من الخشب والكراسي، كأن قطعة أثاث يمكن أن تمنع الموت من الدخول.

حين دخل رجال الحرب القرية، أُغلقت النوافذ دفعة واحدة.

لم يكن أحد يعرف أسماءهم.
كانوا يعرفون فقط أصوات أحذيتهم على الدرج، وقعها الثقيل، المنتظم، الذي كان يكفي لأن تتوقف الأحاديث في البيوت وأن تختبئ الأمهات خلف الأبواب.

طرقوا الباب الأول.

لم يفتح أحد.

طرقوه مرة ثانية.

كان الطرق هذه المرة أشد.

ثم انفتح الباب.

لم يسمع الجيران ما قيل في الداخل، لكنهم سمعوا صرخة قصيرة، ثم ارتطام شيء بالأرض.

بعد دقائق، خرج رجل من البيت حافي القدمين.

كان يمشي بين رجلين مسلحين، يلتفت إلى الباب كل لحظة، كأنه يريد أن يحفظ شكله للمرة الأخيرة.

لم يعد.

في البيت المقابل، كانت امرأة تخبئ ابنتها داخل خزانة الملابس.

كانت الخزانة ضيقة، تفوح منها رائحة الثياب القديمة والصابون. دفعت الطفلة إلى الداخل، وجلست أمامها، ثم وضعت يدها على فمها.

همست:

— لا تبكي.

كانت يدها ترتجف.

قالت الطفلة:

— أمي، أنا خائفة.

قالت:

— وأنا أيضًا.

كانت تلك أول مرة تفشل فيها الأم في الكذب على ابنتها.

في الخارج، كانت الأصوات تتقطع بين أوامر وشتائم وطرق على الأبواب وبكاء مكتوم. ثم ساد الصمت.

وحين طال الصمت، عرفت المرأة أن الصمت نفسه قد يكون خبرًا سيئًا.

في بيت آخر، كان شيخ عجوز يجلس على الأرض، يردد آية لا يكملها. كلما سمع صوتًا في الخارج توقف، ثم عاد إلى الآية من بدايتها.

لم يكن يبحث عن النجاة.

كان يبحث عن شيء يفعله وهو ينتظر.

وفي تلك الليلة، اكتشف أهل القرية أن الإنسان قد يتحول إلى مجرد أذن؛ يسمع ولا يستطيع أن يرى، وقلب؛ يخاف ولا يستطيع أن يهرب.

في الصباح، لم يخرج أحد.

كانت الأبواب مفتوحة.

بعضها مكسور.

بعضها اقتُلع من مفاصله.

وبعض البيوت لم يعد فيها من يفتح الباب أصلًا.

كانت القرية تشبه جسدًا نُزعت منه أعضاؤه وبقي واقفًا بالصدفة.

في الساحة، وجدوا حذاءً صغيرًا.

حذاء طفل.

رفعه شيخ القرية، ونفض عنه التراب، ثم ظل ينظر إليه طويلًا.

لم يسأل أحد لمن هو.

كان الجميع يعرف.

وضعه على عتبة المسجد.

لم يجد مكانًا آخر يضع فيه شيئًا لم يعد صاحبه موجودًا ليستلمه.

ظل الحذاء هناك أيامًا.

كلما مر أحد بجانبه، أبطأ خطواته.

لم يكن أحد يجرؤ على أخذه.

كأن أخذه يعني الاعتراف بأن الطفل لن يعود.

وصل الخبر إلى المخيم بعد أيام.

لم يكن خبرًا واحدًا.

كان سيلًا من الأخبار.

قرية أُحرقت.

عائلة اختفت.

شاب اعتُقل ولم يعد.

امرأة تبحث عن زوجها في قوائم طويلة.

أطفال يحملون أسماء آبائهم ولا يعرفون أين هم.

بيوت أُغلقت لأن أصحابها ماتوا، أو هربوا، أو اختفوا، أو لأن أحدًا لم يعد يعرف لمن تعود.

وكانت كل قصة تنتهي بالجملة نفسها:

— لا نعرف.

شيئًا فشيئًا، أصبحت هذه الجملة الاسم الآخر للحرب.

لا نعرف أين ذهب.

لا نعرف من أخذه.

لا نعرف هل هو حي.

لا نعرف متى يعود.

لا نعرف لماذا حدث ذلك.

ولا نعرف من سيكون التالي.

جلست أمينة بين النساء في طرف المخيم.

كانت النساء يتحدثن بأصوات منخفضة، كأن الخوف صار يملك أذنين.

قالت امرأة مسنّة:

— أخذوا ابني من أمامي.

قالت أخرى:

— أخذوا زوجي.

قالت ثالثة:

— أخذوا البيت.

كانت الجملة الأخيرة مختلفة.

فالبيت، في زمن الحرب، لم يعد جدرانًا وسقفًا.

كان ذاكرة.

كان صورة الأب في الصباح، ورائحة الخبز، وصرخة طفل في الممر، وكرسيًا بقي فارغًا بعد موت صاحبه.

قالت فتاة صغيرة:

— أخذوا أبي وأخي.

ثم سكتت.

نظرن إليها.

كانت تحدق في الأرض.

بعد لحظة قالت:

— لكنني لا أعرف ماذا أخذوا مني أنا.

لم تجبها أمينة.

كانت تعرف.

أخذوا منها العمر الذي كان ينبغي أن تعيشه دون خوف.

أخذوا منها قدرتها على تصديق أن الغد يشبه اليوم.

أخذوا منها طفولتها دون أن يقتلوها.

وهذا، أحيانًا، أشد قسوة من الموت.

في المساء، جاء رجل يحمل قائمة.

قال إن عليها أسماء المفقودين.

تجمعت النساء حوله.

كل واحدة كانت تبحث عن اسم، وكأنها تبحث عن قلبها بين السطور.

كانت الأصابع ترتجف فوق الورق.

بعضهن لم يستطعن القراءة.

كنّ يطلبن من الرجل أن يقرأ.

وكان هو يقرأ ببطء، لأن كل اسم كان يسقط على امرأة مثل حجر.

حين وجدت أمينة اسم أخيها، لم تصرخ.

وضعت إصبعها عليه فقط.

بقيت ساكنة.

قال الرجل:

— هل تعرفينه؟

قالت:

— أعرفه أكثر مما أعرف نفسي.

ثم رفعت عينيها إليه:

— ماذا يعني هذا؟

قال:

— يعني أنه مفقود.

ضحكت.

ضحكة قصيرة، غريبة، جعلت النساء ينظرن إليها بخوف.

قالت:

— ما الفرق؟

لم يفهم.

قالت:

— أنتم تكتبون «مفقود»، ونحن نعيشها كل يوم.

سكت الرجل.

لم يجد في قائمته خانة تشرح هذا النوع من الألم.

فالورق يعرف الموتى.

ويعرف الأحياء.

لكنه لا يعرف الذين يعيشون بينهما.

في تلك الليلة، لم تنم أمينة.

كانت تفكر في أخيها، في البيت، في الحذاء الصغير الذي وضعه شيخ القرية على عتبة المسجد، وفي الرجال الذين دخلوا القرية ولم يتركوا وراءهم سوى أبواب مكسورة وأسئلة بلا أجوبة.

ثم سمعت حركة عند مدخل المخيم.

كان الطفل الذي يحمل المفتاح قد عاد.

كان يرتجف.

اقتربت منه أمينة.

— ماذا حدث؟

لم يجب.

أخرج المفتاح من جيبه.

كان مغطى بالتراب.

ظل ينظر إليه كأنه شيء لا يفهمه.

قال:

— قالوا إن بيتنا لم يعد لنا.

نظرت أمينة إليه.

ثم إلى المفتاح.

كان المفتاح صغيرًا، باردًا، عاديًا.

لكنها شعرت أنه يحمل وزن بيت كامل.

قال الطفل:

— إذا لم يعد لنا، لماذا أعطاني أبي المفتاح؟

لم تجد جوابًا.

كان سؤالًا أكبر من عمره.

ضمته إليها.

بكى للمرة الأولى.

قال:

— هل سنعود؟

أغمضت عينيها.

لم تستطع أن تقول نعم.

ولم تستطع أن تقول لا.

فقالت:

— احتفظ بالمفتاح.

سأل:

— لماذا؟

قالت:

— لأن الإنسان لا يعرف متى يحتاج إلى دليل على أنه كان يملك بيتًا ذات يوم.

نظر الطفل إلى المفتاح.

ثم أغلق يده عليه.

وفي تلك اللحظة، فهمت أمينة شيئًا لم تكن قد فهمته من قبل.

رجال الحرب لا يقتلون الناس وحدهم.

إنهم يقتلون الأشياء التي تجعل الإنسان إنسانًا.

الأمان.

البيت.

الذاكرة.

الثقة.

القدرة على النوم دون أن يستيقظ المرء على صوت طرق.

ثم يتركون الناجين يمشون بين الأنقاض، يحملون مفاتيح لأبواب لم تعد موجودة.

وفي الصباح، كان المخيم يستيقظ على وجوه جديدة.

وجه امرأة فقدت زوجها.

وجه رجل فقد ابنه.

وجه طفل فقد أباه.

ووجه عجوز فقد البيت الذي أمضى عمره في بنائه.

كان لكل واحد منهم شيء مفقود.

لكن الغريب أن المفقود لم يكن دائمًا شخصًا.

أحيانًا كان وطنًا.

وأحيانًا كان عمرًا.

وأحيانًا كان قلبًا لم يعد قادرًا على الوثوق بأحد.

وكان أشد ما في الأمر أن بعض رجال الحرب كانوا يعودون إلى بيوتهم بعد انتهاء الليل.

يغسلون أيديهم.

يجلسون إلى موائدهم.

يسألون عن أطفالهم.

يأكلون.

ثم ينامون.

كأن الدم لا يبقى على اليد.

لكن أمينة كانت تعرف الحقيقة.

الدم قد يزول عن اليد.

وقد يجف على الثوب.

وقد يُغسل عن الأرض.

أما عن الذاكرة، فلا.

فالذاكرة لا تغسلها المياه.

ولا تحرقها النار.

ولا تستطيع الحرب، مهما طال ليلها، أن تمنع الحذاء الصغير من أن يبقى في مكان ما داخل قلب القرية.

ولا تستطيع أن تجعل المفتاح بلا معنى.

لأن المفتاح لم يعد يفتح بابًا فقط.

صار يفتح السؤال الأكبر:

كيف يستطيع الإنسان أن يعود إلى بيتٍ لم يعد موجودًا، وإلى وطنٍ صار الخوف فيه أقوى من الأبواب؟
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.