أبو البنات

صفحة 8 من 19
الفصل الثامن: أبو البنات
كان أبو ليان يعرف أن الحرب لا تأخذ الرجال دفعة واحدة.
تأخذهم أولًا من بيوتهم.
ثم من أطفالهم.
ثم من أنفسهم.
في صباح شتوي، جاءه الأمر.
قال الرجل الواقف عند الباب:
— عليك الالتحاق.
لم يسأل أبو ليان إلى أين.
كان يعرف.
نظر إلى بناته الثلاث.
كانت الكبرى في السابعة، والوسطى في الخامسة، والصغرى لم تكمل الثالثة.
كانن جالسات على الأرض، يتقاسمن قطعة خبز.
قالت الكبرى:
— إلى أين ستذهب يا أبي؟
أجاب:
— إلى العمل.
قالت:
— متى تعود؟
نظر إلى زوجته.
لم تستطع أن ترفع عينيها.
قال:
— قريبًا.
كانت تلك أول كذبة يقولها لابنته.
وكان يعرف أنها لن تكون الأخيرة.
في الليلة السابقة للرحيل، لم ينم أحد.
أخرجت زوجته ملابسه من الخزانة.
وضعتها في حقيبة صغيرة.
كانت تطوي القميص، ثم تفرده، ثم تطويه من جديد.
قالت:
— خذ هذا.
قال:
— لا أحتاجه.
— خذه.
كان كلاهما يعرف أنها لا تتحدث عن القميص.
كانت تريد أن تعطيه شيئًا من البيت، شيئًا يشبه الحياة العادية.
عند منتصف الليل، نامت البنات.
اقترب أبو ليان من سريرهن.
قبّل جبين الكبرى.
ثم الوسطى.
أما الصغيرة فكانت تمسك بإصبع دميتها.
مد يده، لكنه لم يوقظها.
ظل واقفًا طويلًا.
ثم انحنى وقبّل يدها.
وعندما خرج من الغرفة، أغلق الباب ببطء.
في الخارج، جلس على الأرض.
غطى وجهه بيديه.
لم يكن يخاف الموت.
كان يخاف أن يموت بينما تكبر بناته معتقدات أنه اختار الرحيل.
في الطريق إلى الجبهة، كان الرجال صامتين.
كل واحد منهم يحمل صورة في جيبه.
زوجة.
أم.
طفل.
أبو ليان كان يحمل ثلاث صور.
ثلاث بنات.
أخرجها مرة.
نظر إليها.
ثم أعادها.
قال له رجل بجانبه:
— عندك أولاد؟
قال:
— ثلاث بنات.
ابتسم الرجل.
— الله يحميهن.
أجاب:
— الله يحميهن مني.
لم يفهم الرجل.
أما أبو ليان، فكان يعرف معنى الجملة.
كان يخاف أن يعود إليهن رجلًا لا يعرفنه.
على الجبهة، لم يكن الليل يشبه الليل.
كان السماء تضيء فجأة.
ثم يعود الظلام.
صوت بعيد.
صوت قريب.
أوامر.
ركض.
انتظار.
وكان أصعب شيء هو الانتظار.
حين يهدأ القصف، يبدأ الخوف.
يجلس الرجال في أماكنهم، وكل واحد منهم يستمع إلى قلبه.
كان أبو ليان يخرج صور بناته.
ينظر إليها تحت ضوء خافت.
كتب خلف صورة الصغيرة:
«كانت تضحك حين تراني أرفعها إلى السقف.»
ثم توقف.
لم يتذكر متى فعل ذلك آخر مرة.
كان الزمن في الحرب يمحو التفاصيل الصغيرة أولًا.
ذات ليلة، جاءه خبر أن أحد الرجال أصيب.
لم يسأل عن اسمه.
ثم عرف أنه الرجل الذي كان يجلس إلى جواره.
أخذ صورته من جيبه.
لم يجدها.
فتش ثيابه.
وجد صورة طفل.
قال أحدهم:
— هذا ابنه.
جلس أبو ليان على الأرض.
فكر في الطفل الذي سيستيقظ غدًا ويسأل:
«أين أبي؟»
وفكر في بناته.
لأول مرة شعر أن الحرب ليست بين طرفين.
الحرب رجل يعود إلى بيته ناقصًا.
وطفلة تنتظر أباها عند النافذة.
وأم تكذب كل مساء:
«سيعود غدًا.»
بعد أسابيع، وصلت رسالة من زوجته.
كانت قصيرة.
«البنات بخير.»
ثم:
«الصغيرة تسأل عنك كل ليلة.»
ثم:
«الكبرى بدأت المدرسة.»
وفي آخر السطر:
«لا تقلق.»
قرأ الرسالة مرات.
ثم قلبها.
كانت هناك جملة أخرى كتبتها زوجته ثم شطبتها.
ظل ينظر إلى آثار القلم.
كان يستطيع أن يقرأها بصعوبة:
«نحن خائفون.»
ضم الورقة إلى صدره.
لم يعرف أيهما أشد وجعًا:
أن تكون زوجته خائفة.
أم أنها اضطرت إلى شطب خوفها كي لا تزيد خوفه.
في ليلة أخرى، جاءه أمر بالتقدم.
ارتدى خوذته.
حمل سلاحه.
وقف.
ثم أخرج صور بناته ووضعها في جيبه الداخلي.
قال لرجل بجانبه:
— إذا حدث لي شيء...
قاطعه الرجل:
— لا تقل هذا.
قال:
— فقط اسمع.
سكت الرجل.
— هذه الصور لبناتي. إذا مت، أرسلها إلى زوجتي.
قال الرجل:
— ستعود بنفسك.
ابتسم أبو ليان.
لم يقل شيئًا.
كان يعرف أن الرجال في الحرب يتشبثون بهذه الجملة كما يتشبث الغريق بخشبة.
«ستعود.»
مع طلوع الفجر، هدأ كل شيء.
جلس أبو ليان خلف ساتر ترابي.
أخرج الصور الثلاث.
رتبها أمامه.
الصورة الأولى: ليان، ذات السبع سنوات.
الثانية: أختها.
الثالثة: الصغيرة التي لم تعرف لماذا يغيب أبوها.
لم يكن يسمع شيئًا للحظة.
لا رصاص.
لا أوامر.
لا حرب.
فقط أصوات بناته في ذاكرته.
«بابا...»
«بابا، شوفيني.»
«بابا، لا تروح.»
أغمض عينيه.
ثم سمع الصوت نفسه في الحقيقة.
استدار.
لم تكن هناك واحدة منهن.
كان مجرد جندي يناديه.
عاد إلى الجبهة.
لكن شيئًا داخله لم يعد.
بعد أشهر، عاد أبو ليان.
كان يمشي ببطء.
لم تصرخ البنات حين رأينه.
تراجعن قليلًا.
نظر إلى وجوههن.
كنّ قد كبرن.
الكبرى صارت أطول.
الوسطى فقدت سنًا.
والصغيرة لم تتذكره فورًا.
انحنى أمامها.
قال:
— ألا تعرفينني؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
— أنت أبي؟
ابتسم.
لكن وجهه انهار.
حملها.
تشبثت برقبته.
وظل واقفًا.
لم يقل شيئًا.
في تلك اللحظة فقط، فهم أن أصعب ما في الحرب ليس أن يترك الأب بناته.
بل أن يعود إليهن، ويكتشف أنهن عشن سنواته الغائبة من دونه.
وفي الليل، بعدما نامت البنات، جلس وحده في المطبخ.
وضع سلاحه الذي عاد به إلى جانب الحائط.
ثم نظر إليه طويلًا.
أمضى أشهرًا يحرس نفسه به من الموت.
والآن، للمرة الأولى، شعر أنه يريد أن يحرس بناته منه.
من الرجل الذي صنعته الحرب داخله.
أخرج الصور القديمة من جيبه.
كانت حوافها مهترئة.
وضعها على الطاولة.
ثم أخرج صورة جديدة التقطتها زوجته بعد عودته.
البنات الثلاث حوله.
الصغيرة نائمة على صدره.
نظر إلى الصورتين.
في الأولى كان أبًا.
وفي الثانية كان رجلًا عاد من الحرب.
وبين الصورتين، كان هناك عمر كامل لا يعرف كيف يستعيده.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.