الذين باعوا الحرب
صفحة 11 من 19الفصل الحادي عشر : الذين باعوا الحرب
لم يكن أبو ليان يخاف العدو وحده.
مع الوقت، بدأ يخاف الرجال الذين يقفون إلى جانبه.
كان يرى أشياء لا تُكتب في التقارير.
صناديق تصل ليلًا ولا تُفتح أمام الجميع.
أدوية تختفي.
حصص طعام لا تصل إلى الجنود.
وأسماء تُسجل في القوائم لرجال لم يرهم أحد.
كان الجندي الذي يقف في البرد ساعات طويلة يُقال له:
— لا يوجد وقود.
ثم يمرّ بعد قليل رجل بسيارة ممتلئة.
كان أبو ليان يعرف.
لكن المعرفة في الجيش كانت عبئًا.
في إحدى الليالي، رأى ضابطًا يوزع حبوبًا على مجموعة من العناصر.
لم تكن تُعطى بوصفها علاجًا.
كانوا يقولون لهم إنها تساعدهم على التحمل، وتمنحهم الجرأة، وتنسيهم الخوف.
كان بعض الشبان يأخذونها بأيدٍ مرتجفة.
ثم يتغيرون.
يصبحون أكثر اندفاعًا.
أقل سؤالًا.
أسرع إلى تنفيذ الأمر.
نظر أبو ليان إلى وجوههم.
كان يرى في عيون بعضهم شيئًا يشبه الغياب.
قال للرجل بجانبه:
— هؤلاء ليسوا بخير.
أجابه:
— لا تسأل.
— لكنهم يفقدون أنفسهم.
قال الرجل:
— ربما هذا هو المطلوب.
ظل أبو ليان صامتًا.
كانت الجملة أبشع من كل ما رأى.
بعد أشهر، صار يعرف الرجال الذين يأتون إلى الجبهة لا لأنهم يؤمنون بشيء.
كان بعضهم يبحث عن المال.
بعضهم عن النفوذ.
وبعضهم عن فرصة لا تأتي إلا حين تنهار القوانين.
كانوا يفتشون البيوت بعد خروج أهلها.
يأخذون ما يجدونه.
أثاثًا.
أجهزة.
ذهبًا.
حتى أبوابًا خشبية اقتلعوها من بيوت مهجورة.
قال أحدهم لأبي ليان:
— الحرب غنيمة.
نظر إليه.
— وهذه بيوت الناس.
ضحك:
— الناس ذهبوا.
قال أبو ليان:
— ليس معنى ذلك أن بيوتهم صارت لنا.
رد الرجل:
— أنت لا تفهم الحرب.
فكر أبو ليان:
«بل أفهمها أكثر منك.»
لكنه لم يقل.
في إحدى القرى، دخلوا بيتًا قديمًا.
كانت فيه امرأة عجوز.
طلبوا منها المال.
قالت:
— ليس عندي.
فتح أحدهم الخزانة.
وجد صندوقًا صغيرًا.
فتحه.
لم يجد إلا صورًا.
قال:
— أين الذهب؟
قالت:
— لم يبقَ لنا ذهب.
ثم نظرت إلى الصور.
— خذوا كل شيء إلا هذه.
أخذ الرجل الصندوق.
قال:
— حتى هذه.
صرخت:
— لا!
تدخل أبو ليان.
قال:
— اتركها.
التفت الرجل إليه.
— هل أصبحت محاميًا؟
لم يجب.
اقترب الرجل منه.
— تريد أن تتفلسف علينا؟
خفض أبو ليان رأسه.
أُعيد الصندوق إلى المرأة.
لكن الصور بقيت في ذهنه.
في تلك اللحظة فهم أن النهب لا يسرق الأشياء فقط.
إنه يسرق من الإنسان حقه في الاحتفاظ بذكرياته.
في الليل، جلس أبو ليان وحده.
كانت الحبوب تمر بين أيدي الرجال.
وكانت الأموال تمر بين أيدي الضباط.
وكانت البيوت تمر بين أيدي اللصوص.
أما الجنود، فكانوا يبقون في النهاية وحدهم.
بلا مال.
بلا قرار.
وبلا قدرة على السؤال.
أخرج صورة بناته.
قال:
— بأي وجه سأعود إليكن؟
ثم سكت.
لم يكن يعرف إن كان يخاف أن يعود فقيرًا.
أم أن يعود وقد أصبح يشبه الرجال الذين كان يحتقرهم.
في صباح اليوم التالي، وجد شابًا من العناصر يبكي خلف البناء.
قال له أبو ليان:
— ما بك؟
قال:
— أخذوا كل شيء من بيتنا.
— من؟
ذكر أسماء يعرفها أبو ليان.
قال الشاب:
— قالوا إنهم يفعلون ذلك بأوامر.
نظر إليه أبو ليان.
ثم إلى الأرض.
كان يعرف أن أكثر الأشياء قسوة في الحرب هي الجملة التي تجعل الجريمة تبدو قانونًا.
قال الشاب:
— لماذا لا تتكلم؟
أجابه أبو ليان:
— لأنني أخاف.
— منهم؟
قال:
— ومن أن أصبح مثلهم إذا سكتُّ طويلًا.
في تلك الليلة، اتخذ قرارًا صغيرًا.
لم يكن قرار الهرب.
ولا العصيان.
ولا البطولة.
كان قرارًا أكثر تواضعًا.
أن يرفض أن يمد يده إلى بيت ليس بيته.
أن يحفظ ما يستطيع من الطعام عن زملائه الجائعين.
أن يخفي صورة امرأة عجوز إذا حاول أحد أخذها.
أن يظل، وسط كل هذا الخراب، قادرًا على النظر إلى بناته الثلاث دون أن يخجل من عينيه.
فالحرب كانت تريد منه أكثر من جسده.
كانت تريد ضميره.
وأبو ليان، رغم خوفه، قرر أن يحتفظ بهذا الجزء الأخير.
كان يعلم أن الإنسان قد يعيش بلا بيت.
وقد يعيش بلا مال.
وقد يعيش حتى بجرح لا يلتئم.
لكن إذا باع ضميره، فلن يبقى فيه الرجل الذي وعد ثلاث طفلات ذات مساء:
«سأعود.»
ولم يكن يعرف يومها أن أصعب شيء في العودة ليس الطريق.
بل أن تعود وما زال فيك شيء يستحق أن يعود.
تعليقات الصفحة