المفتاح

صفحة 5 من 19

الفصل الخامس: المفتاح

في أول ليلة خارج الحدود، ناموا تحت سقف من الصفيح.

لم يكن السقف يحميهم من المطر، كان فقط يجعل صوت المطر أعلى؛ كأن السماء تضرب فوق رؤوسهم لتذكّرهم بأنهم خرجوا من بيت، ولم يدخلوا بعد إلى مكان يمكن أن يسمّوه بيتًا.

جلست أمينة في زاوية ضيقة، تضم ركبتيها إلى صدرها. لم تستطع النوم. كلما أغمضت عينيها رأت أمها تحت الشجرة، وأخوها وهو يبتعد في صورة قديمة، والطفلة الصغيرة التي دفنوها دون اسم.

أخرجت يدها من جيب معطفها.

كان فيها مفتاح.

مفتاح البيت.

ظلّت تقلبه بين أصابعها. كان باردًا، صغيرًا، عاديًا، لكنه بدا لها أثقل من كل ما حملته في الطريق.

اقترب أبوها وجلس إلى جانبها.

قال:

— ما زلت تحتفظين به؟

أومأت.

— لماذا؟

نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:

— لأن البيت ما زال مغلقًا.

ابتسم ابتسامة قصيرة، موجعة.

— البيت لم يعد موجودًا.

قالت:

— ربما.

ثم أغلقت يدها على المفتاح.

— لكن المفتاح موجود.

لم يجادلها.

كان يعرف أن الإنسان حين يفقد كل شيء، يتمسك أحيانًا بأصغر الأشياء، لأنها تصبح آخر دليل على أنه كان يملك شيئًا يومًا.

في اليوم التالي، بدأوا البحث عن مكان يسكنون فيه.

كان المخيم ممتلئًا. كل خيمة تحمل قصة، وكل وجه يحمل بلدًا، وكل شخص ينتظر خبرًا من شخص آخر.

امرأة تسأل عن زوجها.

رجل يبحث عن أخيه.

طفل يسأل عن أمه.

وشاب يحمل ورقة عليها اسم عائلة كاملة، كأنه يحمل نعشًا من الورق.

عند الظهيرة، أعطوهم خيمة صغيرة، ممزقة من طرفها، يتسلل إليها الهواء والمطر.

دخل أبو أمينة، نظر حوله، ثم قال:

— هذه ليست خيمة.

سألته أمينة:

— ماذا تكون؟

قال:

— انتظار.

مرت الأيام بطيئة. في المخيم لم تكن الساعات تُقاس بالوقت، بل بالأخبار: خبر يصل، خبر يتأخر، اسم يظهر في قائمة، واسم آخر يختفي منها.

في الليل، هبت الريح.

ارتجفت الخيمة.

استيقظ أبوها مذعورًا.

قال:

— البيت!

ثم سكت.

كان قد نسي للحظة أنه لم يعد هناك بيت.

جلست أمينة قربه.

قال:

— كنت أسمع الباب.

— أي باب؟

— باب بيتنا.

ثم أضاف:

— كان يئن في الشتاء.

سكت قليلًا.

— لم أكن أعرف أنني سأشتاق إلى صوت باب.

ابتسمت أمينة، لكنها لم تستطع أن تضحك.

بعد أيام، مرض أبوها.

لم يكن هناك طبيب. كان جسده قد استنفد كل ما يستطيع أن يمنحه. حمى، سعال، وجع في صدره، ونَفَس قصير كأنه يصعد درجًا لا ينتهي.

وضعت أمينة قطعة قماش مبللة على جبينه.

قال:

— لا تضيعي الماء.

— أنت مريض.

— والماء أهم.

قالت بغضب:

— كل شيء صار أهم من الإنسان.

نظر إليها.

للمرة الأولى لم يجد جوابًا.

كان ذلك هو السؤال الذي لم تستطع الحرب أن تجيب عنه: كيف يصبح الماء أغلى من الإنسان، والطعام أغلى من الكرامة، ومكان للنوم أغلى من الأمان؟

في تلك الليلة، طلب منها المفتاح.

ناولته إياه.

قبض عليه طويلًا، وكأنه يمسك شيئًا من البيت الذي تركوه خلفهم.

ثم قال:

— إذا متُّ...

قاطعته:

— لا تقل ذلك.

— اسمعيني.

سكتت.

— إذا متُّ، لا ترميه.

قالت:

— لن أرميه.

— ليس لأنه يفتح البيت.

— لماذا؟

قال:

— لأنه يذكّرك أن لك بابًا في هذا العالم.

بعد منتصف الليل، توقف المطر.

نامت أمينة.

وحين استيقظت، كان أبوها قد رحل.

كان مستلقيًا بهدوء، ويده مغلقة.

فتحت أصابعه.

كان المفتاح في كفه.

أخذته.

ولم تبكِ.

جلست بجانبه حتى الصباح.

ثم جاء رجلان وحملاه بعيدًا.

سألتهما:

— أين ستدفنونه؟

قال أحدهما:

— لا نعرف.

وقفت.

— إنه أبي.

قال الرجل:

— أعرف.

لكن معرفته لم تغيّر شيئًا.

وفي ذلك الصباح فهمت أمينة أن الموتى في الحرب لا يفقدون حياتهم فقط؛ أحيانًا يفقدون حتى حقهم في أن يكون لهم قبر يعرفه أحد.

بعد أيام، بدأت أمينة تعمل في مطبخ المخيم.

كانت تغسل الأواني ساعات طويلة مقابل وجبة واحدة. تعود في المساء ويداها متشققتان، وظهرها يؤلمها، لكنها كانت تواصل العمل.

لم تعد تعمل كي تعيش فقط.

كانت تعمل كي لا تموت.

وفي إحدى الليالي، وجدت طفلًا صغيرًا جالسًا أمام خيمتها.

كان يحمل مفتاحًا.

سألته:

— أين أهلك؟

قال:

— لا أعرف.

— ما اسمك؟

ذكر اسمًا لم تسمعه جيدًا.

ثم رفع المفتاح.

— هذا لأبي.

جلست أمينة إلى جانبه.

— هل مات؟

هز رأسه.

— لا أعرف.

نظرت إلى المفتاح.

كان أصغر من مفتاحها.

قال الطفل:

— قال لي أبي: لا تضيّعه.

وضعت أمينة يدها على يده.

ولم تقل له إن أباها قال لها الشيء نفسه.

في تلك الليلة، وضعت المفتاحين بجانب بعضهما.

مفتاحها.

ومفتاح الطفل.

كانا متشابهين.

معدنان صغيران، باردان، لا قيمة لهما في سوق العالم.

لكن أمينة رأت فيهما شيئًا آخر.

رأت البيوت التي بقيت خلف الحدود.

الأمهات اللواتي لم يُدفنّ.

الأبناء الذين لم يعرف أحد مصيرهم.

والأبواب التي تنتظر أصحابها منذ سنوات.

ورأت وطنًا كاملًا تحوّل إلى مفاتيح معلقة في جيوب الناجين.

وفهمت أن الحرب لم تكن قد سرقت منهم البيوت فقط.

لقد سرقت منهم القدرة على قول:

«سأعود.»

أخذت المفتاحين ووضعتهما في جيبها.

ثم نظرت إلى الظلام.

لأول مرة منذ بدأت الرحلة، شعرت أن عليها أن تعيش.

ليس من أجل النجاة.

بل من أجل أن يبقى هناك شخص واحد على الأقل يستطيع أن يتذكر.

أن يتذكر أسماء الذين رحلوا، وأصوات الذين اختفوا، والأبواب التي بقيت مغلقة، والبيوت التي لم يعد يعرف أصحابها إن كانت ما تزال واقفة أم صارت ترابًا.

وضعت يدها على جيبها.

كان المفتاح هناك.

باردًا.

ثقيلاً.

صغيرًا إلى درجة أن العالم قد لا يراه.

لكن أمينة كانت تعرف الآن أن بعض الأشياء لا تُقاس بحجمها.

وكان المفتاح، في جيبها، أثقل من وطن كامل.

كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.