الجبل الذي صار له بابان

صفحة 16 من 19
الفصل السادس عشر : الجبل الذي صار له بابان
لم يكن الجبل عاليًا بما يكفي ليحجب ما يحدث في دمشق، ولا منخفضًا بما يكفي ليقبل أن تأتيه الأوامر من هناك.
كان جبل العرب في تلك السنوات يشبه رجلًا عجوزًا جلس طويلًا على عتبة بيته، يراقب الغرباء يمرون من أمامه، وكلما اشتدّ صراخهم أغلق الباب، ثم وضع أذنه على الخشب ليتأكد أن أحدًا لم يدخل.
في مقهى صغير على طرف السويداء، جلس أبو ليان قبالة سالم، الرجل الذي قضى سنوات طويلة يراقب السياسة أكثر مما يتحدث عنها.
قال أبو ليان:
— هل كان الدروز مع النظام؟
ابتسم سالم ابتسامة متعبة.
— السؤال خطأ.
— وما الصحيح؟
— اسأل: أي دروز؟
صمت أبو ليان.
أشعل سالم سيجارته وقال:
— النظام لم يكن يحب أحدًا. كان يحب من يخاف منه، ومن يحتاج إليه، ومن يستطيع أن يستخدمه. وفي الجبل، تعلّم الناس لعبة أخرى: لا تثق بالدولة، ولا تعلن عداءك لها، ولا تسمح لها أن تدخل بيتك كاملة.
قال أبو ليان:
— يعني تحالفًا؟
— بل هدنة طويلة.
— والنظام؟
— كان يسميها ولاءً عندما يحتاجها، وخيانةً عندما تنتهي حاجته إليها.
رفع أبو ليان عينيه.
— وكيف بقي الجبل بعيدًا عن النار كل هذه السنوات؟
ضحك سالم بمرارة:
— لم يكن بعيدًا. كانت النار تحرق أطرافه فقط. كان النظام يعرف أن إشعال الجبل كله قد يفتح عليه بابًا لا يستطيع إغلاقه، وأهل الجبل كانوا يعرفون أن الحرب ليست بطولة إذا تحولت إلى جنازة جماعية.
ثم أضاف:
— لكن الحرب لا تبقى كما بدأت.
كانت السنوات تمر، وكانت السلطة تفقد شيئًا من هيبتها في النفوس.
كل حاجز أمني كان يضيف سؤالًا.
كل اعتقال كان يضيف غضبًا.
كل شاب يعود من الجبهة في صندوق خشبي كان يترك وراءه أمًا تسأل: لماذا مات ابني في حرب لا يعرف لماذا بدأت؟
ثم جاء الفقر.
صار الجبل أكثر عزلة، وصارت الدولة أكثر فسادًا، وصار الناس بين مطرقة الحصار وسندان التجار والمهربين.
قال أبو ليان:
— وهل كان حكمت الهجري موجودًا في تلك المعادلة منذ البداية؟
نظر سالم إليه طويلًا.
— لا تبحث عن رجل واحد في قصة طويلة.
— لكنه أصبح الرجل الأقوى.
— لأن الفراغ يصنع الرجال.
— ماذا تقصد؟
قال سالم:
— حين تضعف الدولة، لا يختفي الحكم... يتوزع.
وأشار إلى الباب.
— هنا شيخ.
وأشار إلى الشارع.
— وهناك مسلح.
ثم وضع إصبعه على صدره.
— وهنا الخوف.
وقال:
— ومن يستطيع أن يجمع الخوف والهوية والسلاح والكلمة الدينية في مكان واحد، يستطيع أن يصنع سلطة حتى لو لم يحمل ختم الدولة.
كان اسم حكمت الهجري يتردد آنذاك أكثر فأكثر.
لم يكن ظهوره مفاجئًا، لكنه صار مع الوقت مركزًا لتجمع غضب قديم: غضب من فساد السلطة، ومن الإهمال، ومن الاعتقالات، ومن الخوف من المستقبل.
لكن الجبل لم يكن صوتًا واحدًا.
كان هناك من يقول:
«نحن سوريون قبل أن نكون أي شيء آخر.»
وكان آخرون يقولون:
«السوريون تركونا وحدنا حين اشتعلت البلاد، فلماذا نترك الجبل وحده؟»
وبين الجملتين كانت تقف السياسة.
قال أبو ليان:
— وماذا عن إسرائيل؟
انطفأت ابتسامة سالم.
— هذه الكلمة أخطر من السلاح.
— لماذا؟
— لأنك عندما تبحث عن حماية خارج حدودك، قد تفتح الباب لمن يبحث عن مصلحة داخل حدودك.
ثم تابع:
— إسرائيل تعرف قيمة الطوائف. تعرف أن الخوف يمكن أن يتحول إلى تحالف، وأن الحماية يمكن أن تتحول إلى نفوذ.
قال أبو ليان:
— لكن هناك من يقول إن إسرائيل حمت الدروز.
— والسياسة لا تعمل مجانًا يا أبا ليان.
— ماذا تريد إذن؟
— هذا هو السؤال الذي لم يكن أحد يريد أن يسأله.
ساد الصمت.
كان المقهى قد بدأ يفرغ.
وفي الخارج كانت سيارات قليلة تمرّ مسرعة، كأن المدينة كلها تتعلم المشي بحذر.
قال سالم:
— عندما يشعر الإنسان أنه محاصر، يبحث عن أقرب يد تمتد إليه.
— حتى لو كانت يد عدوه؟
أجاب سالم:
— أحيانًا لا يعود الإنسان يرى العدو عدوًا إذا رأى في يده مفتاح نجاته.
توقف أبو ليان عند الكلمة.
— مفتاح؟
نظر إليه سالم.
— نعم... مفتاح.
ثم ابتسم.
— ألم تفهم بعد أن كل هذه الحرب تبحث عن مفتاح؟
لم يفهم أبو ليان يومها.
لكنه تذكر الجملة بعد سنوات.
كانت إسرائيل حاضرة في الجنوب لا كجار عادي، بل كقوة عسكرية وسياسية لها حساباتها الخاصة. ومع تصاعد العنف في السويداء، أصبح الحديث عن الحماية الخارجية أكثر وضوحًا، وبرزت تصريحات ومواقف منسوبة إلى حكمت الهجري تربط مستقبل الجبل بمبدأ تقرير المصير وبضمانات خارجية، وصولًا إلى مواقف أكثر صراحة تجاه إسرائيل في مراحل لاحقة.
لكن سالم كان يرى شيئًا آخر.
قال:
— أخطر ما في السياسة أن تأتيك المساعدة في اللحظة التي تكون فيها عاجزًا عن رفضها.
سأله أبو ليان:
— وهل كان النظام أقل خطورة؟
— لا.
— إذن ماذا يفعل الناس؟
— يختارون بين خوفين.
— وهل هذا اختيار؟
هز سالم رأسه.
— لا. هذه هي المأساة.
ثم أضاف:
— النظام أراد جبلًا مطيعًا، وبعض رجال الجبل أرادوا دولة تحميهم، وبعضهم أرادوا دولة لا تتدخل فيهم، وبعضهم أرادوا حكمًا محليًا، وبعضهم رأوا أن الخارج يمكن أن يكون ضمانة. وفي النهاية صار لكل جماعة مفتاحها الخاص.
قال أبو ليان:
— ومن يملك مفتاح الباب؟
نظر سالم إلى الجبل البعيد.
— المشكلة ليست فيمن يملك المفتاح.
— بل؟
— فيمن يملك الباب.
ومع مرور السنوات، لم يعد حكمت الهجري مجرد رجل دين في ذاكرة الناس.
صار اسمه عنوانًا سياسيًا.
صار بعض أبناء الجبل يرونه صوتًا للاستقلال عن سلطة مركزية فقدت ثقة الناس، بينما رأى آخرون في خطابه خطرًا على وحدة البلاد وفتحًا لباب التدخل الخارجي.
وفي المقابل، بقيت قيادات درزية أخرى تدفع باتجاه علاقة مختلفة مع الدولة السورية، الأمر الذي جعل الانقسام داخل الجبل نفسه جزءًا من الصراع.
وفي ليلة باردة، عاد أبو ليان إلى بيته.
وجد زوجته تنتظره.
قالت:
— أين كنت؟
— عند سالم.
— وماذا قال؟
جلس على الكرسي.
— قال إن الجبل صار له بابان.
— وأين الباب الآخر؟
نظر إليها طويلًا.
— لا أحد يعرف.
ثم سمعا في الخارج صوت إطلاق نار بعيد.
اقترب أبو ليان من النافذة.
كان الجبل مظلمًا.
وفوقه سماء بلا نجوم.
قالت زوجته:
— هل سيأتي يوم نعرف فيه من معنا ومن علينا؟
أجاب:
— ربما.
— ومتى؟
قال:
— عندما تنتهي الحرب.
ثم سكت لحظة وأضاف:
— لكن أخشى أن تكون المشكلة أن الحرب، حين تنتهي، تترك خلفها رجالًا لا يعرفون كيف يعيشون من دونها.
وفي تلك الليلة، أدرك أبو ليان أن الطوائف لم تكن قد بدأت الحرب.
لكن الحرب هي التي علمتها كيف تتصرف كطوائف.
وكان ذلك أخطر ما فعلته الحرب بسوريا.
لأن الوطن حين يتحول من بيت إلى غرفة، يبدأ كل واحد بالبحث عن مفتاح غرفته.
أما مفتاح البيت كله...
فقد صار في جيوب الغرباء.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.