حين دخل الظلام باب الدين

صفحة 12 من 19
الفصل الثاني عشر: حين دخل الظلام من باب الدين( داعش).
لم تأتِ الرايات السوداء في ليلة واحدة.
سبقتها رايات كثيرة، وأصوات أكثر.
سبقتها سنوات صار فيها الشاب يسمع الرصاصة أكثر مما يسمع أمه، ويرى الموت أقرب من المدرسة، والخبز أغلى من كرامته، والباب الذي كان يحمي البيت صار يحتاج إلى بندقية.
كان أبو ليان يجلس عند دكان أبي نجيب حين مرّ ثلاثة شبان في آخر الشارع.
كانوا مختلفين عن بقية المحاربين.
ملابسهم غريبة، كلامهم أقل، ووجوههم لا تبتسم.
قال أبو نجيب:
— هدول من وين طلعوا؟
أجابه أبو ليان:
— من تحت الأرض.
ضحك أبو نجيب.
لكن أبا ليان لم يضحك.
كان قد تعلّم أن الأشياء الخطيرة تبدأ غالباً بنكتة.
في الأيام التالية، بدأ الغرباء يقتربون من الشباب.
لم يبدأوا بالقتل.
بدأوا بالحديث.
كانوا يعرفون ما يؤلم الشاب: الفقر، الإهانة، البطالة، فقدان الأب، الخوف على الأخت، والرغبة في أن يكون له معنى في بلدٍ سُلبت منه كل المعاني.
كانوا يقولون له:
— أنت لست عاطلاً، أنت مجاهد مؤجل.
وكانت الجملة تكفي أحياناً لتحويل الفقر إلى بطولة.
سليم، ابن أخت أبي ليان، كان واحداً من أولئك الذين جلسوا معهم.
عاد ذات مساء إلى البيت وهو أكثر صمتاً من المعتاد.
سألته أمه:
— وين كنت؟
قال:
— مع جماعة بيعرفوا الدين.
نظرت إليه طويلاً.
— وأنت ما كنت تعرف الدين؟
لم يجب.
كان قد بدأ يتعلم أن السؤال نفسه قد يصبح تهمة.
كانوا يدخلون إلى عقول الشباب من الشقوق التي صنعتها الحرب.
يأخذون آية من مكان، وحكاية من مكان آخر، ويضعون بينهما تفسيراً لم يعرفه الناس من قبل.
ثم يقولون:
— هذا هو الدين.
كان الدين في بيت أبي ليان صلاةً ورحمةً وسترَ جارٍ وإغاثةَ محتاج.
أما عند الغرباء، فقد صار الدين حدوداً وسيوفاً وأسماءً للموتى.
لم يكن أبو ليان عالماً.
لكنه كان يعرف شيئاً بسيطاً تعلمه من أبيه:
أن الدين الذي يجعلك تحتقر الإنسان لمجرد أنه مختلف عنك ليس الدين الذي عرفه.
قال لسليم ذات ليلة:
— يا ابني، الدين ما بيحتاج واحد يصرخ حتى يثبت أنه حق.
أجابه سليم:
— أنت ما عم تفهم.
قال أبو ليان:
— يمكن.
ثم أضاف:
— بس أنا خايف إنك أنت اللي ما عاد تفهم.
كان التنظيم يعرف شيئاً مهماً:
الشاب الجائع لا يحتاج إلى محاضرة طويلة.
يحتاج إلى وعد.
راتب.
سلاح.
رفاق.
مكانة.
وحكاية يقول فيها لنفسه إنه صار مهماً.
كانت الدعاية تعرض له صورة رجل كان مثله، ثم أصبح صاحب راية وسلطة.
وكانت الرسالة الخفية:
يمكنك أن تصبح شخصاً آخر.
وتحت صورة البطولة كانت تختبئ الحقيقة.
الإنسان الذي يدخل إليهم باسمه قد يخرج بلا اسم.
الفتى الذي كان يحلم ببيت صغير، يصبح رقماً.
والذي كان يريد أن ينتقم من العالم، يتعلم كيف ينتقم من نفسه أولاً.
وتحوّلت المساجد، في بعض المناطق التي سقطت تحت قبضتهم، من أماكن للسكينة إلى أدوات للسيطرة على الناس، بينما استُخدمت المدارس والبنى الدينية في تلقين الأطفال والتجنيد.
أما المال، فلم يكن يأتي من السماء.
كان يأتي من الأرض التي احترقت.
من التاجر الذي يُجبر على الدفع.
من صاحب المحل الذي يشتري أمنه.
من النفط الذي يُهرب.
من البيوت التي تُنهب.
ومن المدن التي تُعامل كأنها خزنة مفتوحة.
كلما اتسعت قبضتهم، اتسعت خزانتهم.
وكلما امتلأت الخزائن، زاد عدد الذين يستطيعون شراء ولائهم.
وهكذا صار المال وقوداً للفكرة، وصارت الفكرة غطاءً للمال.
ذات ليلة، عاد سليم إلى البيت.
لم تعرفه أمه.
كان قد حلق شاربه، وغيّر ملابسه، وحمل في عينيه شيئاً لم تره فيه من قبل.
قالت:
— سليم؟
قال:
— نعم.
اقتربت منه.
— شو صاير معك؟
قال:
— صرت أعرف الحقيقة.
قالت:
— وأين كانت الحقيقة قبل اليوم؟
سكت.
دخل أبو ليان.
نظر إلى الفتى طويلاً.
ثم رأى في يده المفتاح.
المفتاح القديم.
ذلك الذي ظلّ يتنقل بين أفراد العائلة منذ بداية الحرب.
مدّ يده إليه.
لكن سليم تراجع.
قال أبو ليان:
— هذا مفتاح بيتك.
قال سليم:
— ما عاد إلي بيت.
أجابه أبو ليان:
— البيت ما بيضيع يا ابني.
ثم نظر إلى عينيه:
— اللي بيضيع هو الإنسان لما يقنعوه إن قتل أخوه طريق إلى الجنة.
ارتجف وجه سليم.
للحظة قصيرة، عاد ذلك الطفل الذي كان يركض خلف أمه في أزقة القرية.
ثم اختفى.
قال:
— لا تحكي معي بهالطريقة.
خرج.
وظل أبو ليان واقفاً عند الباب.
كان المفتاح في يده.
وللمرة الأولى شعر أن المفتاح لم يعد يفتح باباً.
صار يغلق أبواباً.
أبواب البيوت.
أبواب القلوب.
وأبواب العودة.
في صباح اليوم التالي، وصل خبر إلى الحي:
ثلاثة شبان اختفوا.
قال البعض إنهم ذهبوا إلى المعسكر.
وقال آخرون إنهم سافروا.
وقالت أمهاتهم إنهم سيعودون.
كانت الأمهات دائماً أكثر الناس إيماناً بالعودة.
حتى عندما يصبح الرجوع معجزة.
بعد أسبوع، وصل شريط مصور إلى الهواتف.
ظهر فيه سليم بين رجال ملثمين.
لم يكن يبتسم.
ولم يكن خائفاً.
كان واقفاً كما يقف شخص فقد القدرة على أن يكون نفسه.
أغلقت أمه الهاتف.
وقالت:
— هذا ابني... بس مو ابني.
كان أبو ليان ينظر إلى الشاشة السوداء.
قال:
— لا.
ثم وضع المفتاح على الطاولة.
— هذا ابننا.
وتنهد.
— بس أخدوه منا قبل ما يقتلوه.
في الخارج، كان المؤذن يرفع الأذان.
وكان صوت التكبير يعلو فوق البيوت.
لكن أبا ليان ظل صامتاً.
كان يعرف أن أخطر ما فعلته تلك الجماعات لم يكن أنها حملت السلاح باسم الدين.
بل أنها جعلت الناس يخافون من الدين نفسه.
جعلت الأم ترتجف حين تسمع ابنها يتحدث عن الجنة.
وجعلت الأب يشك في الكلمات التي حفظها طفلاً.
وجعلت الشاب يظن أن الرحمة ضعف، وأن الاختلاف خيانة، وأن الدم يمكن أن يصبح عبادة إذا وُضع فوقه اسم مقدس.
وفي تلك اللحظة فهم أبو ليان شيئاً لم يفهمه طوال سنوات الحرب:
لم تكن المعركة على الأرض وحدها.
كانت المعركة على معنى الإنسان.
ومن يملك معنى الإنسان...
يملك مفتاحه.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.