الرصاصة التي سبقت العاصفة

صفحة 19 من 19
الفصل التاسع عشر : الرصاصة التي سبقت العاصفة
لم يكن اسم إبراهيم اليوسف قد صار يومها أسطورة.

كان مجرد اسمٍ لرجل خرج من تادف، القرية التي لا يملك أهلها من الدنيا إلا ما تمنحه الأرض لمن يحرثها بصبر.

قال أبو ليان وهو يقلب صفحات جريدة قديمة:

— «تقول إن الثورة بدأت سنة 2011؟»

رفع سالم عينيه عن فنجان القهوة.

— «ألم تبدأ؟»

ابتسم أبو ليان ابتسامة رجل يعرف أن التاريخ لا يحب الإجابات السهلة.

— «الثورات لا تبدأ حين يخرج الناس إلى الشوارع. تبدأ حين يدخل الخوف إلى بيت الحاكم.»

سكت قليلاً، ثم أضاف:

— «وفي سوريا، كان حافظ الأسد يعرف أن أخطر شيء يمكن أن يحدث للحاكم ليس أن يكرهه الناس... بل أن يكتشفوا أنهم يستطيعون أن يقولوا: لا.»

قال سالم:

— «وإبراهيم اليوسف قالها؟»

— «قالها بطريقته.»

كان الليل ثقيلاً.

في الخارج، كانت الريح تمر بين أشجار الزيتون، كأنها تبحث عن شيء ضائع منذ عقود.

قال أبو ليان:

— «كان إبراهيم ضابطاً في الجيش. رتبة نقيب. من تادف. رجل دخل المؤسسة التي أراد الأسد أن يجعلها سوراً حول سلطته. وفي عام 1979 وقعت حادثة مدرسة المدفعية في حلب، حين قُتل عشرات الطلاب الضباط في هجوم ارتبط بإبراهيم اليوسف والطليعة المقاتلة.»

تدخل سالم:

— «لكن البعض يسمونه بطلاً.»

أجابه أبو ليان:

— «والبعض الآخر يسميه مجرماً. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.»

رفع رأسه نحو النافذة.

— «فالتاريخ السوري لم يكن أبيض وأسود. كان دماً فوق دم، وخوفاً فوق خوف. كان النظام يزرع الخوف في الناس، وبعض خصومه ردوا على الخوف بخوف آخر، حتى صارت الطائفة عند كثيرين جواز سفر، وصار الإنسان يُقتل أحياناً قبل أن يُسأل عن اسمه.»

سأل سالم:

— «وهل أخاف إبراهيم الأسد؟»

أجاب أبو ليان:

— «ربما لم يكن الأسد يخاف إبراهيم نفسه. كان يخاف الفكرة التي حملها إبراهيم: أن الضابط الذي يرتدي بزته العسكرية يمكن أن ينقلب على السلطة التي صنعت منه ضابطاً.»

ثم فتح أبو ليان درجاً قديماً وأخرج ورقة صفراء.

— «تخيّل حافظ الأسد في تلك الأيام. الرجل الذي بنى سلطته على الجيش والأمن. فجأة يجد أن رجلاً من داخل المؤسسة العسكرية فتح باباً لم يكن ينبغي أن يُفتح.»

قال سالم:

— «ولهذا كانت ردة الفعل قاسية؟»

— «بل كانت أبعد من ذلك.»

صمت.

ثم قال:

— «الحاكم حين يخاف لا يعاقب خصمه وحده. يجعل من خصمه درساً للجميع.»

---

في قاعة ضيقة من إحدى بيوت حلب القديمة، جلس ثلاثة رجال يتجادلون.

كان الأول شاباً متحمساً، والثاني رجلاً خمسينياً شهد انقلاب الأسد، والثالث شيخاً لم يعد يثق لا بالسلطة ولا بمن يرفع السلاح ضدها.

قال الشاب:

— «إبراهيم قال لا.»

ضحك الرجل الخمسيني بمرارة:

— «وما قيمة لا إذا تحولت إلى رصاص؟»

قال الشاب:

— «لكن النظام لم يترك للناس باباً آخر.»

رفع الشيخ يده:

— «وهنا الكارثة يا بني. حين يغلق الاستبداد أبواب الكلام، يفتح أبواب الدم. وحين يدخل الدم، يصبح لكل طرف قاموسه الخاص من الضحايا.»

قال الشاب:

— «إذن ماذا كان عليه أن يفعل؟»

أجابه الشيخ:

— «أن يبقى الإنسان إنساناً، حتى وهو يقاوم الوحش.»

ساد الصمت.

ثم قال الرجل الخمسيني:

— «الأسد كان أذكى من خصومه في شيء واحد. كان يعرف كيف يحوّل خوف الناس من بعضهم إلى حماية له.»

التفت إليه الشاب.

— «كيف؟»

— «كان يقول لهذا: إنهم يريدون قتلك لأنك من طائفة كذا. ويقول لذاك: إنهم يريدون إبادتك لأنك من طائفة كذا. وفي النهاية، يصبح كل واحد مستعداً لحماية الحاكم لأنه يظنه آخر جدار بينه وبين الموت.»

قال الشيخ:

— «وهكذا لا يعود الحاكم بحاجة إلى إقناع الناس بأنه عادل. يكفي أن يقنعهم بأن البديل أسوأ.»

---

في تلك السنوات، لم تكن رصاصة مدرسة المدفعية قد انتهت عندما سقطت.

كانت قد بدأت رحلة طويلة.

رحلة عبر السجون.

وعبر المقابر.

وعبر الخوف.

وعبر الأجيال.

كانت السلطة تقول للعلوي:

«انظر ماذا يفعلون بكم.»

وكان خصوم السلطة يقولون للسني:

«انظر ماذا يفعلون بكم.»

وكان الوطن، في المنتصف، يراقب أبناءه وهم يتعلمون أسماء الطوائف أكثر مما يتعلمون أسماء بعضهم.

قال سالم:

— «وهل كانت حادثة إبراهيم هي المفتاح؟»

ابتسم أبو ليان:

— «ليست مفتاح الثورة وحدها. لكنها كانت واحدة من المفاتيح التي فتحت أبواباً لم يستطع أحد إغلاقها بعد ذلك.»

— «كيف؟»

— «لأن حافظ الأسد تعلم منها شيئاً، وخصومه تعلموا منها شيئاً آخر.»

— «ماذا؟»

— «الأسد تعلم أن المعارضة إذا حملت السلاح يمكن سحقها بالخوف، وخصومه تعلموا أن الدولة التي لا تسمح بالسياسة ستدفع بعض الناس إلى البحث عن بندقية.»

ثم نظر إلى الورقة الصفراء.

— «ومنذ ذلك اليوم، صار كل طرف يبني ذاكرته الخاصة.»

ذاكرة تقول:

«نحن الضحايا.»

وذاكرة أخرى تقول:

«بل نحن الضحايا.»

أما الحقيقة، فكانت تمشي حافية بينهما.

---

بعد أعوام، حين صار بشار الأسد في القصر الذي ورثه عن أبيه، كان إبراهيم اليوسف قد تحول إلى اسم يتناقله الناس همساً.

قال سالم:

— «لكن بشار لم يكن حافظاً.»

ضحك أبو ليان:

— «كان الابن الذي ورث الخوف قبل أن يرث القصر.»

— «وهل كان يخاف من أشباح أبيه؟»

— «لا. كان يخاف من أن يفقد ما تركه له أبوه.»

ثم أردف:

— «لهذا، عندما جاءت سنة 2011، خرجت الأجيال التي لم تكن قد ولدت حين وقعت حادثة مدرسة المدفعية.»

سكت.

— «لكنها ورثت آثارها.»

تساءل سالم:

— «هل كان المتظاهر في درعا يعرف إبراهيم اليوسف؟»

— «ربما لا.»

— «والشاب في حمص؟»

— «ربما لم يسمع باسمه.»

— «إذاً كيف تقول إن قصته كانت مفتاحاً؟»

أجاب أبو ليان:

— «لأن التاريخ لا يحتاج أن يعرف الناس أسماءه كي يعيش فيهم.»

ثم وضع الورقة على الطاولة.

— «الأحداث القديمة لا تموت. تتحول إلى خوف، والخوف يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة تتحول إلى موقف، والموقف قد يتحول يوماً إلى شارع كامل.»

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.

قال سالم:

— «وماذا بقي من إبراهيم؟»

نظر أبو ليان إلى الظلام خلف النافذة.

— «بقي السؤال.»

— «أي سؤال؟»

— «هل يستطيع الإنسان أن يقاوم الاستبداد دون أن يتحول إلى نسخة أخرى من العنف الذي يقاومه؟»

لم يجب سالم.

كان السؤال أكبر من الغرفة.

وأكبر من إبراهيم.

وأكبر من حافظ الأسد.

---

في آخر الليل، أغلق أبو ليان الورقة وقال:

كان رفضه شرارةً مبكرة في ليلٍ طويل؛ شرارة لم تُشعل الثورة يومها، لكنها قالت للسوريين إن باب الخوف ليس أبدياً.

— «احفظ هذه الجملة يا سالم.»
— «ما هي؟»

— «لم تكن المشكلة أن السوريين لم يقولوا لا. المشكلة أن كل واحد منهم قالها وحده، وبطريقته، وفي زمن مختلف.»

ثم أطفأ المصباح.

وفي الظلام، بدا له أن القرية البعيدة، تادف، لم تكن مجرد مكان وُلد فيه رجل اسمه إبراهيم اليوسف.

كانت نقطة صغيرة على خريطة بلد كامل.

بلدٍ ظلّ يبحث، منذ عقود، عن مفتاح يفتح به باب الخوف...

حتى اكتشف أن المفتاح الحقيقي لم يكن بندقية.

كان أن يتوقف السوري عن الخوف من السوري.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.