المدينة التي لاتعرفهم

صفحة 3 من 19
الفصل الثالث: المدينة التي لا تعرفهم
وصلوا إلى المدينة بعد أسبوعين من الرحيل.
لم تكن مدينة غريبة تمامًا، لكنها لم تكن تعرفهم.
وهذه كانت المشكلة.
فالمدينة التي لا تعرفك لا تسألك من أين أتيت، ولا لماذا جئت، ولا ماذا تركت وراءك. تعطيك غرفة، أو زاوية في مصنع، أو مقعدًا في محطة، ثم تطلب منك أن تكون ممتنًا.
استأجر أبو سليم غرفة في بناء قديم عند طرف السوق.
كانت الغرفة أصغر من غرفة مريم في بيتهم.
وحين دخلتها أم سليم، وضعت حقيبتها على الأرض وقالت:
— الحمد لله.
نظر إليها سليم.
كان يعرف أن أمه لا تقول «الحمد لله» دائمًا لأنها سعيدة.
أحيانًا تقولها كي لا تبكي.
في اليوم التالي، خرج أبو سليم يبحث عن عمل.
عاد عند المساء بوجه متعب.
سألته زوجته:
— وجدت شيئًا؟
قال:
— غدًا.
كانت كلمة «غدًا» قد أصبحت عملته الوحيدة.
يملك منها الكثير.
ولا يستطيع شراء شيء.
أما سليم، فكان أكثر حظًا.
وجد عملًا في ورشة للحدادة.
في اليوم الأول، سأله صاحب الورشة:
— تعرف العمل؟
قال:
— أتعلم بسرعة.
قال الرجل:
— هذا لا يكفي.
— ماذا يكفي؟
نظر إليه.
— أن تحتاج إلى العمل أكثر مما أحتاج إليك.
فهم سليم.
ومنذ ذلك اليوم صار يستيقظ قبل الفجر.
كان يحمل الحديد طوال النهار.
وفي المساء يعود ويداه تؤلمانه.
لكن الألم الجديد كان واضحًا.
أما الألم القديم فلم يكن يعرف أين يضعه.
بعد ثلاثة أشهر، مات أبو سليم.
مات بهدوء.
لم يمرض طويلًا.
في الصباح قال إنه يشعر بالتعب.
وفي المساء نام.
وفي الصباح التالي لم يستيقظ.
جلست أم سليم قربه.
لم تصرخ.
فقط قالت:
— أخذ معه المفتاح.
قال سليم:
— لا.
فتش جيوب أبيه.
وجد المفتاح.
كان ملفوفًا بقطعة قماش صغيرة.
أخذه.
أمسكه طويلًا.
قالت أمه:
— لا تضيعه.
قال:
— لن أضيعه.
ثم أضافت:
— لكنني لا أعرف ماذا سأفعل به.
قالت:
— لا تفعل شيئًا.
— لماذا؟
— اتركه معك.
— إلى متى؟
نظرت إلى وجه زوجها الميت.
— حتى تعرف.
مرت السنوات.
أصبحت المدينة أقل غرابة.
عرف سليم الطرق.
عرف أصحاب المحلات.
عرف سعر الخبز.
عرف أين يجد طبيبًا رخيصًا.
عرف أي شرطي يبتسم وأي شرطي لا يفعل.
لكنه لم يعرف شيئًا واحدًا:
أين يضع قلبه.
كان ابنه، آدم، قد وُلد في المدينة الجديدة.
كبر وهو يسمع كلمة «هناك».
هناك بيتنا.
هناك مدرستك الأولى.
هناك قبر جدك.
هناك شجرة.
هناك شارع.
هناك وطن.
لكن الطفل لم يرَ شيئًا من ذلك.
ذات مساء، كان آدم يقلب صندوقًا قديمًا.
وجد المفتاح.
سأل:
— أبي، ما هذا؟
قال سليم:
— مفتاح بيت جدك.
— أين البيت؟
صمت.
— في سوريا.
— هل نستطيع الذهاب إليه؟
نظر سليم إلى المفتاح.
— ربما.
قال الطفل:
— هل يفتح؟
— ماذا؟
— الباب.
ابتسم سليم.
— إذا بقي الباب.
لم يفهم آدم.
أعاد المفتاح إلى الصندوق.
في تلك الليلة، اتصلت ليلى.
كانت قد صارت في بلد آخر.
قالت:
— سمعت أن والدك مات.
— نعم.
— هل ما زلت تحتفظ بالمفتاح؟
سكت.
قالت:
— سليم؟
— نعم.
— هل عدت يومًا؟
ضحك.
— إلى أين؟
— إلى البيت.
قال:
— أي بيت؟
صمتت.
ثم قالت:
— لهذا سألتك.
بعد المكالمة، ظل سليم جالسًا أمام النافذة.
في الخارج كانت المدينة تنام.
وفي الداخل كانت أمه تصلي.
أما آدم، فكان يدرس خريطة العالم.
اقترب سليم منه.
قال:
— ماذا تفعل؟
— أبحث عن سوريا.
جلس بجانبه.
كانت الخريطة ملونة.
الدول واضحة.
الحدود مستقيمة.
لا أثر فيها للخوف.
لا مخيمات.
لا طوابير.
لا بيوت مهجورة.
قال آدم:
— وجدتها.
أشار بإصبعه إلى بقعة صغيرة.
— هنا؟
قال سليم:
— نعم.
سأله الطفل:
— هل هي بعيدة؟
قال:
— أحيانًا تكون البلاد أقرب من غرفة.
ثم سكت.
— وأحيانًا تكون أبعد من الموت.
لم يفهم آدم.
لكنه نظر إلى أبيه.
لأول مرة، أدرك أن هناك مكانًا لا يستطيع أبوه الحديث عنه دون أن يتغير وجهه.
في اليوم التالي، عاد سليم إلى الورشة.
كان صاحبها قد مات، وصار ابنه يدير العمل.
قال له:
— أنت هنا منذ سنوات.
— نعم.
— أريد أن أجعلك شريكًا.
نظر سليم إليه.
كان العرض جيدًا.
راتب أعلى.
بيت أفضل.
مستقبل واضح.
في المساء، أخبر أمه.
قالت:
— اقبل.
قال:
— وماذا عن العودة؟
وضعت فنجانها على الطاولة.
— هل لديك بيت تعود إليه؟
سكت.
ثم قالت:
— لا تجعل الموتى ينتظرونك أكثر مما انتظرتهم.
نظر إليها.
كانت الجملة قاسية.
لكنه فهمها.
في تلك الليلة، فتح الصندوق.
أخرج المفتاح.
وضعه أمامه.
ثم كتب على ورقة:
«إلى من يسكن بيتنا الآن...»
توقف.
لم يعرف ماذا يكتب بعدها.
ولأول مرة، لم يكن يبحث عن البيت.
كان يبحث عن الشخص الذي قد يكون دخل بابه بعدهم.
وفي الصباح، قرر أن يعود.
ليس ليأخذ البيت.
بل ليرى ماذا بقي منه.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.