ما لا يُروى

صفحة 7 من 19
الفصل السابع: ما لا يُروى

في تلك الليلة، لم تكن القرية تخاف الموت.
كانت تخاف ما يأتي قبله.

دخل الرجال بعد منتصف الليل، حين كان النوم قد أثقل الجفون، وحين صار صوت الريح وحده يجرؤ على المرور بين البيوت.

ركلوا الأبواب بأعقاب البنادق، وصاحوا:

— افتحوا!

لم يكن أحد يسأل من هم.
في زمن الحرب، يكفي أن يحمل الرجل بندقية كي يصبح اسمه أمرًا.

دخلوا البيوت واحدًا بعد آخر.
طلبوا المال والذهب والهواتف، ثم أخذوا ما لم يطلبوه.

قال أحدهم:

— كل شيء هنا لنا.

كانت امرأة عجوز تقف أمام صندوق خشبي صغير. احتضنته كما لو أنها تحمي طفلًا.

قالت:

— ليس فيه إلا صور أولادي.

انتزع الرجل الصندوق من يديها وقلبه على الأرض.

تبعثرت الصور.

انحنت المرأة تجمعها، فداس الرجل على إحداها بحذائه.

قالت:

— هذه أولادي.

ضحك.

كانت ضحكته أقسى من الشتيمة؛ لأنها لم تكن ضحكة رجل، بل ضحكة إنسان نسي أن في الآخرين قلوبًا تشبه قلبه.

في البيت الأخير، وجدوا امرأة شابة وحدها مع ابنتيها.

أخذوا النقود والحلي، وفتشوا الغرف، ثم بقي أحدهم.

أُغلق الباب.

وخارج الباب، جلست ابنتها الصغيرة على الأرض، تضُمُّ ركبتيها إلى صدرها.

كانت تسمع أصواتًا من الداخل، لكنها لم تفهم معناها.

كانت تعرف فقط أن أمها لا ترد.

وحين خرج الرجل، لم تنظر إليه.

دخلت إلى أمها.

كانت المرأة جالسة في زاوية الغرفة، تحدق في الفراغ.

قالت ابنتها:

— أمي، هل نذهب؟

لم تجب.

اقتربت منها، وأمسكت يدها.

كانت باردة.

قالت:

— أنا هنا.

لكن الصوت لم يكن صوتها.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المرأة تتحدث عن تلك الليلة.

ولم تسألها ابنتها.

كبرت البنت وهي تعرف أن هناك سؤالًا لا ينبغي أن يُطرح، وأن أمها تركت جزءًا من روحها خلف ذلك الباب.

بعض الجروح لا تحتاج إلى كلمات كي تعرف أنها موجودة.

في الصباح، أخذوا سبعة رجال من القرية.

لم يسمحوا لأحد بتوديعهم.

كان أحدهم مريضًا، بالكاد يستطيع الوقوف.

قالت زوجته:

— لا يستطيع المشي.

نظر إليها الجندي ببرود وقال:

— سيتعلم.

اقتادوه إلى السيارة.

ركض ابنه خلفها.

كان عمره سبع سنوات.

ظل يركض حتى سقط على التراب، وبقي يرفع يده للسيارة كأنه يستطيع أن يعيدها بإشارة صغيرة.

ومنذ ذلك اليوم، كلما سمع صوت محرك، ركض إلى الباب.

كان يظن أن أباه سيعود.

في المعتقل، لم يكن التعذيب هدفه انتزاع الحقيقة.

كان هدفه أن يقتنع الرجل بأنه لم يعد يملك شيئًا؛ لا اسمه، ولا نومه، ولا جسده، ولا حتى ذاكرته.

كانوا يتركونه ساعات طويلة واقفًا.

يمنعونه من النوم.

يصرخون في وجهه.

يسألونه عن أسماء لا يعرفها.

وكلما قال:

— لا أعرف.

جاء السؤال نفسه بطريقة أقسى.

حتى صار الرجل يشك في نفسه.

هل يعرف فعلًا؟

هل نسي شيئًا؟

هل يمكن للإنسان أن يعترف بشيء لم يحدث فقط كي ينتهي الألم؟

بعد أيام، لم يعد يعرف عدد الأيام.

صار يقيس الزمن بعدد مرات فتح الباب.

وفي كل مرة كان يسمع المفتاح يدور في القفل، يشعر أن قلبه يسبقه إلى الموت.

أما البيوت، فكانت تُنهب واحدًا بعد آخر.

الثلاجات.

الأغطية.

الأواني.

النقود.

حتى الأشياء التي لا قيمة لها.

أخذوا ساعة رجل ميت.

وسجادة امرأة عجوز.

وصورة عائلية.

ومفتاحًا معلقًا على مسمار قرب الباب.

قال الجندي:

— مفتاح ماذا؟

قال الرجل:

— بيتنا.

أخذ الجندي المفتاح، قلبه بين أصابعه، ثم قال:

— لم يعد بيتكم.

وضعه في جيبه.

كان المفتاح صغيرًا، لكن الجملة كانت أكبر من القرية كلها.

فهم الناس يومها أن الحرب لا تسرق الأشياء فقط.

إنها تسرق حق الإنسان في أن يقول: هذا لي.

حين عادت أمينة إلى القرية بعد أشهر، لم تجد بيتها.

وجدت الجدران فقط.

دخلت.

كانت الغرف بلا أبواب.

المطبخ بلا أوانٍ.

والنوافذ مفتوحة على الريح.

وغرفة أمها خالية.

وقفت في منتصف البيت.

كان كل شيء قد اختفى.

إلا المسمار الصغير قرب الباب.

ذلك المسمار الذي كانت أمها تعلق عليه مفتاح البيت.

مدت أمينة يدها نحوه.

لم تجد شيئًا.

جلست على الأرض.

وللمرة الأولى منذ بدأت التغريبة، بكت.

لم تبكِ على البيت.

ولا على المال.

ولا حتى على الذين ماتوا.

بكت لأن أحدًا سرق منها آخر شيء كانت تستطيع أن تثبت به أن هذا المكان كان يومًا بيتها.

ثم تذكرت المفتاح الذي احتفظت به.

أخرجته من جيبها.

كان صغيرًا، باردًا، ومغطى بغبار الطريق.

وضعته في القفل.

لم يفتح.

حاولت مرة.

ثم مرة ثانية.

ثم ثالثة.

لم يحدث شيء.

دفعت الباب.

لم يتحرك.

أعادت المفتاح إلى القفل بقوة أكبر.

فانكسر.

نظرت إلى نصفه الباقي في يدها.

بقيت صامتة طويلًا.

ثم فهمت.

لم تكن المشكلة في المفتاح.

ولا في الباب.

كان البيت نفسه قد خرج من مكانه.

أو ربما خرجت هي منه منذ زمن، دون أن تعرف.

جلست أمينة على العتبة، وأغلقت يدها على نصف المفتاح.

خارج البيت كانت القرية صامتة.

لا أحد عاد كما كان.

لا البيوت بقيت بيوتًا، ولا الأسماء بقيت أسماء، ولا الذكريات نجت كاملة.

رفعت أمينة رأسها إلى الجدار.

وقالت بصوت خافت:

— كنت أظن أن المفتاح يفتح الباب.

ثم نظرت إلى نصفه المكسور.

— لكنه كان يحفظ لي الطريق إليه.

وللمرة الأولى فهمت أن الحرب لا تحتاج إلى هدم البيت كي تنتصر.

يكفي أن تجعل صاحبه يقف أمام بابه، يحمل مفتاحه، ولا يستطيع الدخول.

وهذا هو الشيء الذي لا يُروى.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.