ثمن العودة

صفحة 9 من 19
الفصل التاسع: ثمن العودة
لم تكن العودة نهاية الحرب.
كانت بداية حرب أخرى، لا يسمع فيها الرصاص.
عاد أبو ليان إلى بيته بجسد أثقل من أن يحمله، وبراتب لم يعد يكفي لشراء ما تحتاجه أسرته ليومين.
كان يفتح محفظته في آخر الشهر، فيجد أوراقًا قليلة، ثم ينظر إلى بناته الثلاث، فيخفي المحفظة كأنها عيب.
كانت زوجته قد تعلمت خلال غيابه كيف تجعل القليل كثيرًا.
كانت تطهو العدس أيامًا متتالية، وتخفف الشاي بالماء، وتشتري الخبز بالعدد، وتؤجل شراء الحذاء حتى يتمزق القديم تمامًا.
أما الصغيرة، فكانت قد اعتادت أن تنام أحيانًا وهي جائعة.
سألها أبوها ذات ليلة:
— لماذا لم تأكلي؟
قالت:
— شبعت.
عرف الكلمة.
كانت الكلمة نفسها التي قالتها أمينة في أيام الحرب.
ابتلع غصته.
لم يكن يستطيع أن يشتري لها ما يكفيها، لكنه كان يستطيع أن يكذب عليها.
قال:
— وأنا أيضًا.
ثم أدار وجهه.
كان راتبه يتأخر.
وحين يصل، لا يبقى منه شيء.
إيجار.
خبز.
دواء.
حليب.
دين قديم.
ثم يعود إلى الصفر.
وفي الصفر، لم يكن هناك مكان للكرامة.
ذات صباح، جاءت ابنته الكبرى إليه.
قالت:
— بابا، المدرسة طلبت مني دفترًا.
أخرج ما في جيبه.
لم يكن فيه ما يكفي.
قال:
— غدًا.
قالت:
— قلتَ ذلك أمس.
ابتسم.
— غدًا أكيد.
ذهبت.
وبقي ينظر إلى الباب.
كان يعرف أن «غدًا» كلمة اخترعها الفقراء كي لا يقولوا لأطفالهم: «لا أستطيع».
كان جرحه في ساقه يؤلمه كلما وقف طويلًا.
ذهب إلى المسؤول يطلب إجازة للعلاج.
وقف أمام المكتب.
قال الضابط دون أن يرفع رأسه:
— ماذا تريد؟
— أحتاج إلى طبيب.
رفع الضابط عينيه.
— كلنا نحتاج.
— الإصابة قديمة.
— والحرب قديمة.
صمت أبو ليان.
قال:
— لا أستطيع المشي جيدًا.
ابتسم الضابط بسخرية:
— وأنت كنت تظن أننا أرسلناك إلى الحرب كي تعود تمشي جيدًا؟
خرج أبو ليان.
في الممر، جلس على كرسي مكسور.
كان يسمع الرجال في الداخل يضحكون.
نظر إلى ساقه.
فكر أن الجرح لم يؤلمه كما آلمته تلك الضحكة.
كان الضباط يعاملون الرجال كأنهم أرقام.
الاسم لا يهم.
العائلة لا تهم.
الأطفال لا يهمون.
الإصابة لا تهم.
المهم أن يبقى الرجل قادرًا على الوقوف عندما يُطلب منه الوقوف.
وفي أحد الأيام، قال له أحدهم:
— أنت تغيبت يومين.
قال:
— كنت في المستشفى.
— ومن سمح لك؟
— الطبيب.
ضحك الضابط.
— الطبيب يعالج جسدك. نحن نملك وقتك.
خفض أبو ليان رأسه.
كان يريد أن يقول:
«لكنكم لا تملكون بناتي.»
ولم يقل.
كان قد تعلم أن بعض الكلمات قد تجعل الرجل يخسر ما بقي له من كرامة.
في البيت، كان الألم ينتظره بطريقة أخرى.
زوجته كانت تخفي عنه فواتير متراكمة.
وحين اكتشفها، قال:
— لماذا لم تخبريني؟
قالت:
— ماذا كنت ستفعل؟
لم يجب.
جلست أمامه.
قالت:
— كنت أريدك أن تعود فقط.
نظر إليها.
— وعدت.
قالت:
— نعم.
ثم ابتسمت بحزن.
— لكنك عدت وأنت لا تعرف كيف نعيش.
كان كلامها موجعًا لأنها لم تقصد لومه.
كانت تقول الحقيقة فقط.
في الشتاء، تعطلت المدفأة.
كانت البنات يدرسن تحت بطانية واحدة.
اقترب أبو ليان من النافذة.
كان يرى أنفاسهن في البرد.
قالت الوسطى:
— بابا، هل سنشعل المدفأة؟
قال:
— غدًا.
ثم خرج.
مشى إلى السوق.
باع ساعته.
كانت آخر شيء احتفظ به من أبيه.
عاد بالحطب.
أشعل المدفأة.
ركضت البنات إليها.
وقف بعيدًا.
نظر إلى معصمه الفارغ.
ثم إلى وجوههن.
قال في نفسه:
«هذه الساعة كانت لي.»
ثم صحح:
«أما هؤلاء، فهن حياتي.»
بعد أشهر، اشتد الألم في ساقه.
أصبح يستيقظ ليلًا على وجع حاد.
يمشي إلى المطبخ كي لا يوقظ أحدًا.
يمسك حافة الطاولة.
ينتظر حتى يهدأ الألم.
وفي إحدى الليالي، وجدته ابنته الكبرى.
قالت:
— هل تتألم؟
أجاب:
— قليلًا.
قالت:
— أنت تكذب.
ابتسم.
— من أين تعلمتِ ذلك؟
قالت:
— منك.
جلس.
جلست إلى جانبه.
قالت:
— عندما كنت في الحرب، هل كنت خائفًا؟
ظل صامتًا.
ثم قال:
— كنت أخاف عليكم أكثر مما أخاف على نفسي.
وضعت يدها على ساقه المصابة.
قالت:
— لماذا عدت؟
نظر إليها طويلًا.
— لأنكم كنتم تنتظرونني.
قالت:
— ونحن انتظرناك.
خفض عينيه.
— أعرف.
ثم أضافت:
— لكنك ما زلت تذهب إليهم أحيانًا.
فهم ما تعنيه.
كان جسده يعود إلى البيت.
أما خوفه، فكان لا يزال في الجبهة.
في صباح اليوم التالي، استُدعي مرة أخرى.
ارتدى ثيابه.
قبّل بناته.
قالت الصغيرة:
— لا تذهب.
توقف عند الباب.
كان قد سمع هذه الجملة آلاف المرات في داخله.
لكنها خرجت هذه المرة من فم طفلته.
استدار.
نظر إليها.
ثم إلى زوجته.
ثم إلى ساقه.
لم يكن يعرف أي شيء يمكن أن يفعله رجل فقير، مصاب، مدين، وله ثلاث بنات، حين يصبح بقاؤه نفسه مشروطًا بالطاعة.
فتح الباب.
خرج.
وفي الدرج، توقف.
وضع يده على الحائط.
كان الألم في ساقه شديدًا.
لكن ألمًا آخر كان أشد.
كان يعرف أن ابنته الصغيرة ستظل واقفة خلف الباب حتى يختفي.
وكان يعرف أن الفقر سيبقى جالسًا إلى مائدتهم.
وأن الحرب، حتى بعد أن يغادرها الرجل، تستطيع أن تظل في البيت:
في رغيف ناقص.
وفي دواء مؤجل.
وفي حذاء ممزق.
وفي طفلة تتعلم مبكرًا أن تقول:
«لا أريد شيئًا يا أبي.»
حتى لا تزيد على أبيها وجعًا آخر.
ومضى أبو ليان في الدرج.
كان يعرج.
لكن أحدًا في الأعلى لم يره.
وكان ذلك، ربما، هو أشد ما في الأمر:
أن الرجل الذي دفع جسده ثمنًا للحرب، لم يجد في نهاية الحرب من يسأل جسده إن كان لا يزال قادرًا على الاحتمال.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.