المفتاح الذي أُغلق به الخوف

صفحة 17 من 19
الفصل السابع عشر: المفتاح الذي أُغلق به الخوف

كان الليل ثقيلاً فوق القرية.

جلس أبو ليان قرب المدفأة التي لم يكن فيها سوى حطب قليل، بينما كان سليم يقلب بين يديه مفتاحاً قديماً صدئاً، وجده منذ أيام في صندوق أبيه.

قال سليم:

— كلما رأيت هذا المفتاح أشعر أنه يفتح شيئاً أكبر من باب.

ابتسم أبو ليان بحزن:

— بعض المفاتيح لا تفتح الأبواب يا بني... بعضها يكشف من أغلقها.

سكت سليم قليلاً، ثم قال:

— لماذا كان أبناء هذه الطائفة دائماً أكثر خوفاً من غيرهم؟

رفع أبو ليان رأسه.

— لأن الخوف، حين يصبح خبزاً يومياً، يتحول إلى عقيدة.

— ومن أطعمهم الخوف؟

نظر أبو ليان إلى النار.

— السلطة.

كان يعرف أن الكلام عن الطائفة وحدها ظلم للحقيقة. فقد عاش بين أناس فقراء منها، ورأى بأم عينه كيف كانت البيوت الصغيرة تربي أبناءها على انتظار الوظيفة العسكرية، وكيف كان الجيش بالنسبة إلى كثير من العائلات طريقاً شبه وحيد إلى الراتب والاستقرار.

قال:

— حافظ الأسد لم يحتج إلى أن يقول لكل فقير: كن جندياً. كان يكفي أن يجعل أبواب الحياة الأخرى أضيق من باب الثكنة.

سأل سليم:

— وهل كان الفقر مقصوداً؟

أجاب أبو ليان:

— لا أستطيع أن أضع كل فقر على طاولة مؤامرة واحدة. لكنني أعرف شيئاً: حين تترك منطقة فقيرة، وتربط مستقبل شبابها بالجيش والأجهزة، ثم تقول لهم إن بقاء الدولة متوقف على بقائهم في صفك، فأنت لا تبني مواطنين... أنت تبني حراساً لنظامك.

دخلت مريم، تحمل صورة قديمة لأخيها.

وضعتها أمامهما.

— أخي لم يكن يريد الحرب.

نظر سليم إلى الصورة.

— ماذا كان يريد؟

— أن يصبح نجاراً.

ثم ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح:

— لكنه كان يقول دائماً: "الجيش هو الطريق الوحيد الذي لا يحتاج واسطة."

قال أبو ليان:

— وهنا يبدأ المفتاح.

اقترب سليم منه.

— كيف؟

— عندما تجعل الفقير محتاجاً إلى السلطة كي يعيش، ثم تقنعه أن السلطة هي التي تحميه من الآخرين، يصبح الخوف والراتب حبلين في يد واحدة.

سكت الجميع.

ثم قالت مريم:

— لكنهم كانوا يقولون لهم إن الآخرين يريدون قتلهم.

أجاب أبو ليان:

— هذه هي الحيلة الأقدم في التاريخ. لا تحتاج إلى أن تجعل الناس يحبون السجن؛ يكفي أن تقنعهم بأن العالم كله يريد اقتحامه.

---

كبر حافظ الأسد في السلطة، وكبرت معه رواية الخوف.

لم يكن الجميع يصدقونها، لكن كثيرين تعلموا أن يكرروها.

"إذا سقط النظام، ستُذبح الطائفة."

كانت الجملة أقصر من أن تحتاج إلى برهان، وأخطر من أن تحتاج إلى عقل.

ومع مرور السنوات، صار بعض الشباب يسمعون السياسة من فم الضابط قبل أن يسمعوها من أبيهم، وصار الخوف من الآخر أقوى من السؤال عن فساد القريب.

قال سليم:

— لكن هل كان أبناء الطائفة جميعاً مع النظام؟

ضرب أبو ليان كفه على الطاولة.

— لا.

ثم أضاف:

— وهذه أهم كلمة يجب ألا تضيع.

أشار إلى صورة أخرى.

— هؤلاء الذين ماتوا في السجون لأنهم رفضوا القمع كانوا من الطائفة نفسها. وهؤلاء الذين خرجوا في بداية الأزمة يطالبون بالحرية كانوا من الطائفة نفسها. والفقراء الذين أُرسل أبناؤهم إلى الجبهات كانوا منها أيضاً. لا يجوز أن نحول جماعة كاملة إلى شخصية واحدة.

قالت مريم:

— لكن الحرب فعلت ذلك.

— الحرب تحب التعميم. السلطة تحبه أكثر.

---

ومع بشار الأسد، بدا المشهد في البداية مختلفاً.

وجه شاب، لغة حديثة، ووعود بالإصلاح.

لكن السنوات كشفت أن القصر لم يتغير بقدر ما تغير وجهه.

قال سليم:

— كان الناس يقولون إنه طبيب، وإنه أكثر انفتاحاً من أبيه.

أجاب أبو ليان:

— الناس يحبون أن يصدقوا البدايات الجميلة.

ثم أضاف:

— لكن الحكم لا يُقاس بما يقوله الحاكم في أول خطاب، بل بما يفعله عندما يشعر أن كرسيه مهدد.

ومع اندلاع الاحتجاجات، بدأ الخوف القديم يستيقظ.

في القرى، كانت الأمهات يقلن لأبنائهن:

"لا تذهب."

وكان الأب يقول:

"إذا لم تذهب أنت، سيذهب غيرك."

ثم يأتي الضابط:

"الوطن مهدد."

ثم يأتي التلفزيون:

"مؤامرة."

ثم يأتي الخوف:

"إن سقطنا، سيقتلوننا."

وفي وسط كل ذلك، كان الفقير يضع ابنه في السيارة، ويودعه.

لم يكن الابن يعرف دائماً لماذا يقاتل.

لكنه كان يعرف أن رفض القتال قد يعني فقدان الوظيفة، أو السجن، أو وصمة الخيانة.

وهكذا صار الخوف أقوى من الاقتناع.

---

قال سليم:

— وماذا عن بشار نفسه؟

طال صمت أبي ليان.

ثم قال:

— أخطر الحاكم ليس دائماً من يعرف كل شيء، بل من تحيط به مجموعة تجعل العالم يصل إليه من خلال مرآتها.

— ماذا تقصد؟

— حين يصبح الحاكم محاطاً برجال يقولون له فقط ما يريد سماعه، تتحول السلطة إلى غرفة مغلقة. كلما خرج صوت من الخارج قالوا له: مؤامرة. كلما ظهرت معارضة قالوا: خيانة. كلما سقط قتيل قالوا: ضرورة. وكلما اتسعت النار قالوا: لا بد من مزيد من النار.

قال سليم:

— وهل كان بشار يسيطر عليهم أم كانوا يسيطرون عليه؟

أجاب أبو ليان:

— ربما الاثنان معاً. فالطاغية لا يصنع وحده آلة القمع. يحتاج إلى رجال يربحون من استمرارها، ورجال يخافون من سقوطها، ورجال يبررونها، ورجال ينفذونها.

ثم نظر إلى المفتاح.

— وفي النهاية يصبح الحاكم أسيراً للآلة التي صنعها.

---

كانت الطائفة نفسها تدفع الثمن.

بيوت فقيرة.

أرامل.

أطفال ينتظرون آباء لا يعودون.

شبان يحملون صور أصدقائهم الذين ماتوا.

وأمهات لا يعرفن إن كان أبناؤهن ذهبوا دفاعاً عن الوطن أم دفاعاً عن كرسي رجل.

قالت مريم:

— أحياناً كنت أشعر أن الحرب أخذت منا أكثر مما أخذت من غيرنا.

رد أبو ليان:

— لأن الفقراء دائماً يدفعون الفاتورة كاملة.

ثم أردف:

— لكن لا تخلطي بين الطائفة والنظام. هذه واحدة من أكبر الأكاذيب التي أنتجتها الحرب.

نظر سليم إلى المفتاح.

— إذن، ماذا يفتح هذا المفتاح؟

ابتسم أبو ليان.

— يفتح السؤال الذي خاف الجميع من طرحه:

من أقنع الفقير أن قاتله يحميه؟

ساد الصمت.

ثم قال:

— وإذا عرفت جواب هذا السؤال، ستعرف لماذا بقيت البلاد مغلقة كل هذه السنوات.

رفع سليم المفتاح أمام الضوء.

كان الصدأ يغطي نصفه.

قال:

— وهل يمكن أن يفتح الباب بعد كل هذا؟

أجابه أبو ليان:

— الباب لا يُغلق إلى الأبد.

— ومن يفتحه؟

نظر إليه طويلاً.

— ليس الجيش... ولا الطائفة... ولا الحاكم.

ثم وضع يده على كتف سليم:

— يفتحه الإنسان عندما يتوقف عن الخوف من الإنسان الآخر.

وخارج البيت، كان الليل ما يزال طويلاً.

لكن للمرة الأولى، بدا أن الفجر ليس بعيداً كما كان.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.