وطن بأبواب كثيرة
صفحة 14 من 19الفصل الرابع عشر: وطنٌ بأبوابٍ كثيرة.
لم تبدأ الطائفية يوم حمل الناس أسماء طوائفهم.
كانت الأسماء موجودة منذ زمن، تُقال في البيوت كما تُقال أسماء الأحياء والقرى، ثم بدأت الحرب تفعل شيئاً آخر: جعلت الاسم سؤالاً.
من أنت؟
لم يعد السؤال يعني: من أي مدينة أنت؟
صار يعني: من أي جماعة؟
ومن أي طائفة؟
ومن أي قومية؟
ومع كل جواب كان الخوف يضيف رقماً جديداً إلى دفتر الحساب.
في البداية، كان أبو ليان يظن أن الحرب ستنتهي عندما يسكت الرصاص.
ثم اكتشف أن الرصاص كان أرحم من الكلام.
فالرصاصة تقتل رجلاً، أما الكلمة فتستطيع أن تضع آلاف الرجال في خندق واحد، وتخبرهم أن الذين في الخندق المقابل ليسوا بشراً مثلهم.
كان الجيران الذين يتبادلون الملح والسكر صاروا يغلقون أبوابهم قبل أن يسمعوا طرقاً على الباب.
لم يتغير الناس وحدهم.
تغيرت الخرائط داخل رؤوسهم.
كل جماعة بدأت تبحث عن ظهرٍ تستند إليه.
وهنا دخل الخارج.
لم يدخل من الباب.
دخل من الخوف.
جاءت الأموال من جهة، والسلاح من جهة أخرى، والخطابات من جهة ثالثة، وكل جهة قالت للناس:
نحن لا نريد شيئاً منكم.
نحن فقط نريد حمايتكم.
وكانت الحماية، في زمن الحرب، اسماً مهذباً للنفوذ.
في القرى العلوية، صار الخوف من المجهول يكبر مع كل جنازة. لم يعد كثيرون يرون الدولة باعتبارها وطناً جامعاً، بل آخر سور يمكن الاحتماء خلفه. وحين تتكاثر التهديدات، يصبح الارتماء في حضن القوة الأقرب أمراً يبدو للبعض غريزياً، حتى لو كان ثمنه أن تتحول الجماعة كلها إلى رهينة للخوف.
وفي الضفة الأخرى، كانت جماعات شيعية سورية ومقاتلون مرتبطون بمحاور إقليمية يجدون أنفسهم داخل حرب أكبر من حدود البلاد؛ حرب تمتد من دمشق إلى بيروت وبغداد وطهران، وتحمل معها السلاح والشعارات والمال، حتى صار بعض السوريين ينظرون إلى وطنهم كأنه إحدى ساحات صراع الآخرين.
أما الدروز، الذين عاشوا طويلاً وهم يعرفون كيف يحافظون على مسافة من العواصف، فقد وجدوا أنفسهم أمام سؤال لم يطلبوه:
هل تحمي نفسك وحدك؟
أم تبحث عن قوة خارج الحدود؟
كان بعضهم يرفض أن تتحول الجبل إلى ورقة في يد أحد.
وبعضهم رأى في الاتصالات الخارجية ضرورة فرضها الخوف.
وحين اقتربت إسرائيل من المشهد، بدا الأمر أكثر تعقيداً.
فالدولة التي بقي اسمها في الذاكرة السورية مرتبطاً بالاحتلال والحرب، بدأت تظهر في حسابات بعض القوى الدرزية بوصفها طرفاً يمكن طلب الحماية أو الدعم منه في لحظات معينة.
كان ذلك واحداً من أكثر تناقضات الحرب مرارة:
أن يصل الإنسان إلى لحظة يصبح فيها الخوف من خصم قريب أكبر من ذاكرته مع خصم بعيد.
قال أبو ليان:
— عندما يصبح العدو حامياً في عين بعض الناس، فهذا يعني أن الوطن فشل في أن يكون وطناً.
لم يجبه أحد.
كان الصمت أكثر صدقاً من الإجابات.
وفي الشمال، كان الأكراد يكتبون قصة مختلفة.
كانوا قد عاشوا طويلاً مع شعور بأنهم مكوّن موجود، لكن اعتراف الدولة بوجوده كان ناقصاً أو مشروطاً.
وحين جاءت الحرب، وجدوا في الفراغ فرصة لبناء مساحة سياسية وعسكرية خاصة بهم.
ثم جاءت الولايات المتحدة.
السلاح الأمريكي لم يكن مجرد صناديق تصل إلى المقاتلين.
كان إعلاناً سياسياً أيضاً.
حين تمد دولة عظمى يدها إلى جماعة محلية، فهي لا تعطيها السلاح فقط؛ إنها تمنحها وزناً على الطاولة.
لكن الطاولة السورية كانت تزدحم بالأيدي.
يد إيرانية.
يد روسية.
يد تركية.
يد أمريكية.
ويد إسرائيلية تراقب الجنوب.
وأيادي أخرى أصغر، لكنها أكثر قذارة أحياناً، تحمل المال والسلاح وتنتظر حصتها من الجسد السوري.
نظر سامر إلى الخريطة المعلقة على الحائط.
كانت الحدود واضحة بالحبر.
أما على الأرض، فقد اختفت.
قال:
— لماذا صار لكل جماعة حليف خارج البلاد؟
أجاب أبو ليان:
— لأن البلاد لم تعد تشعرهم بأن لهم حليفاً داخلها.
سكت سامر.
كانت الجملة أثقل من أن تُناقش.
فالحرب لا تصنع الطائفية من العدم.
إنها تستخرج خوفاً قديماً، ثم تعطيه سلاحاً.
وتأتي السياسة بعد ذلك لتقول للخائف:
أنت لا تحتاج إلى وطن.
أنت تحتاج إلى جماعة.
ثم تقول للجماعة:
أنتم لا تحتاجون إلى دولة.
أنتم تحتاجون إلى حامٍ.
ثم يأتي الحامي فيقول:
أنتم لا تحتاجون إلى الاستقلال.
أنتم تحتاجون إلى حمايتي.
وهكذا يصبح الوطن، شيئاً فشيئاً، أصغر من الطائفة، والطائفة أصغر من الجبهة، والجبهة أصغر من الدولة التي تمولها.
وفي أحد الأيام، وجد أبو ليان على الطاولة ورقة مجهولة.
كان عليها أسماء كثيرة.
علوي.
سني.
درزي.
شيعي.
كردي.
تركماني.
مسيحي.
وتحتها جملة واحدة:
«كلما عجزنا عن جمعكم تحت راية الوطن، نجح الآخرون في جمعكم تحت راياتهم.»
ظل يحدق فيها طويلاً.
ثم أخذ المفتاح ووضعه فوق الورقة.
قال:
— هذا هو المفتاح الحقيقي.
سأله سامر:
— لأي باب؟
أجاب:
— للباب الذي إذا فتحناه، تذكرنا أننا كنا سوريين قبل أن نصير ملفاتٍ في مكاتب الآخرين.
وفي الخارج، كانت البلاد تتعلم أسماء حلفائها الجدد.
لكنها كانت تنسى، يوماً بعد يوم، اسمها القديم.
تعليقات الصفحة