المفتاح الذي ضاع بين الحدود
صفحة 15 من 19الفصل الخامس عشر : المفتاح الذي ضاع بين الحدود
لم يكن أبو ليان يحب الخرائط.
كان يقول إن الخرائط تكذب أكثر مما تكشف، لأنها ترسم الحدود بخط مستقيم فوق أرضٍ عاش أهلها قروناً من دون أن يعرفوا أين تنتهي قرية وتبدأ دولة.
في تلك الليلة، كان يجلس في غرفة ضيقة، إلى جواره «سليم»، الشاب الكردي الذي عرفه قبل الحرب بسنوات، وكان بينهما ما يكفي من الصداقة ليختلفا دون أن يتعاديا.
وضع سليم خريطة على الطاولة.
قال:
— هذه أرضنا.
ابتسم أبو ليان بحزن.
— وأرضنا نحن أيضاً.
رفع سليم رأسه.
— نحن لم نطلب أكثر من حقنا.
— وأنا لا أنكر حقك.
— إذن لماذا تخافون من أن يكون لنا كيان؟
صمت أبو ليان قليلاً، ثم قال:
— لأنني أخاف من كل مشروع يجعل الإنسان رقماً في خريطة.
لم يجب سليم.
كان يعرف أن الحديث لم يعد عن الكرد وحدهم، ولا عن العرب وحدهم. الحرب أكلت الأسماء، وبدأت تستبدلها بكلمات أكبر منها: قومية، طائفة، حدود، نفوذ، أمن قومي، مناطق عازلة، قواعد عسكرية، تحالفات.
قال سليم:
— حين تخلى الجميع عنا، بحثنا عمن يساعدنا.
— ومن ساعدكم؟
ابتسم سليم ابتسامة مرة.
— من كانت له مصلحة في مساعدتنا.
ضحك أبو ليان.
— إذن لم يساعدكم أحد.
— ماذا تقصد؟
— أقصد أن الدول لا تعطيك مفتاح بيتها لأنها تحبك. تعطيك مفتاحاً لغرفة صغيرة في بيتها، ثم تراقبك كي لا تدخل بقية الغرف.
ظل سليم ينظر إلى الخريطة.
كان الدعم الخارجي قد جعل القوى الكردية المسلحة أكثر قدرة على الصمود والتمدد في بعض المناطق، لكنه جعلها أيضاً جزءاً من لعبة أكبر من حدود قريتها. قوة عظمى ترى فيها شريكاً ميدانياً، ودولة مجاورة تراها خطراً على أمنها، وسلطة مركزية تراها ورقة يمكن استخدامها متى احتاجت إلى ورقة جديدة.
قال سليم:
— الأميركيون وقفوا معنا.
— نعم.
— فلماذا لا تقول إنهم وقفوا إلى جانبنا؟
— لأن الوقوف معك لا يعني أنهم سيقفون معك إلى النهاية.
نظر إليه سليم طويلاً.
ثم قال:
— والأتراك؟
أجاب أبو ليان:
— تركيا لا تريد على حدودها كياناً كردياً مستقلاً، وهذه ليست مسألة حب أو كراهية. إنها مسألة أمن ومصالح وخوف من انتقال العدوى الانفصالية إلى داخلها.
قال سليم:
— ولهذا دخلت أرضنا؟
— دخلت لأن الدول حين تخاف على حدودها، تتحول الحدود عندها إلى ذريعة لعبور الحدود.
ساد الصمت.
ثم قال سليم:
— وماذا عن دمشق؟
هنا تغير وجه أبو ليان.
قال:
— دمشق تعرف كيف تستخدم الخوف.
— تقصد النظام؟
— أقصد السلطة التي عاشت طويلاً على فكرة أن كل طرف يحتاج إليها كي يحتمي من الطرف الآخر.
اقترب سليم من الطاولة.
— تقول إن النظام تحالف معنا؟
— أقول إن الحرب جعلت الجميع يمد يده للجميع، ثم يخفي السكين في اليد الأخرى.
— لكن هناك تفاهمات واتصالات.
— السياسة ليست محراباً.
ثم أضاف:
— قد يتفاهم خصمان اليوم على عدو مشترك، ثم يختلفان غداً على الغنيمة.
سأل سليم:
— ومن هو العدو المشترك؟
نظر أبو ليان إلى النافذة.
كان صوت القصف يأتي من بعيد.
قال:
— الشعب الذي يريد أن يعيش خارج حسابات الجميع.
لم تعجب الجملة سليم.
— هذا ظلم. نحن شعب أيضاً.
أمسك أبو ليان بيده.
— وأنا لم أقل غير ذلك.
ثم أشار إلى الخريطة.
— مشكلتنا أن الحرب جعلت كل شعب يخاف من الشعب الآخر، وكل طائفة تخاف من الطائفة الأخرى، وكل قومية تبحث عن دولة تحميها. وعندما يبدأ الخوف، يصبح الخارج أقرب من الجار.
خفض سليم عينيه.
— ماذا تريد منا إذن؟
— أريدكم أن تطالبوا بحقوقكم من دون أن تتحولوا إلى أدوات.
— وهل تستطيع أن تقول ذلك للعرب؟
— أقولها للعربي والكردي والدرزي والعلوي والشيعي والسني. لا أحد يملك وطناً وحده، ولا أحد يملك حق طرد الآخر منه.
نهض سليم، وأخذ الخريطة.
وقبل أن يغادر، قال:
— ربما نحن جميعاً نبحث عن مفتاح.
ابتسم أبو ليان.
— نعم.
— مفتاح ماذا؟
قال أبو ليان:
— مفتاح سورية.
ثم سكت قليلاً وأضاف:
— لكن المشكلة أن كل واحد منا يظن أن المفتاح يفتح باباً له وحده.
خرج سليم.
وبقي أبو ليان وحده.
فتح صندوقاً خشبياً قديماً كان يحتفظ فيه بأوراق أبيه. قلب الأوراق حتى وجد المفتاح الصغير.
كان أبوه قد تركه له قبل موته، وقال له يومها:
«احتفظ به يا بني، ستحتاج إليه حين تغلق الدنيا أبوابها.»
قبض أبو ليان على المفتاح.
فكر في الحرب.
في العرب والكرد.
في الطوائف.
في الحدود التي رسمتها الدول.
في القوى التي تدخلت باسم حماية الشعوب، ثم تركتها عندما انتهت حاجتها إليها.
وفهم للمرة الأولى معنى المفتاح.
لم يكن مفتاح بيت.
كان مفتاحاً لسؤال:
من يملك حق تقرير مصير الناس؟
الدولة؟
القومية؟
الطائفة؟
القوة الأجنبية؟
أم الناس أنفسهم؟
أعاد المفتاح إلى الصندوق.
وقال بصوت خافت:
— أخشى أن الحرب لم تسرق بيوتنا فقط...
ثم نظر إلى الخريطة.
— لقد سرقت منا القدرة على معرفة من نحن، قبل أن تسألنا إلى أين نذهب.
وفي الخارج، كانت الحدود تتسع على الخرائط، بينما تضيق في قلوب الناس.
وكان كل طرف يرفع مفتاحه عالياً، معتقداً أنه وجد باب الخلاص.
ولم ينتبه أحد إلى أن الأبواب كلها كانت تُفتح من الخارج.
تعليقات الصفحة