الغرفة التي لا نوافذ لها

صفحة 18 من 19
الفصل الثامن عشر: الغرفة التي لا نوافذ لها

في تلك الليلة، لم ينم سليم.

كان المفتاح موضوعاً على الطاولة أمامه، يلمع كلما انعكس عليه ضوء المصباح.

دخل أبو ليان، وجلس قبالته.

قال سليم:

— بدأت أفهم شيئاً.

— ماذا؟

— المفتاح لم يكن لبابٍ واحد.

ابتسم أبو ليان.

— تأخرت كثيراً حتى اكتشفت ذلك.

— كلما فتحنا باباً وجدنا خلفه باباً آخر.

— لأن البلاد لم تكن سجناً واحداً يا سليم... كانت مجموعة سجون، وكل سجن له مفتاحه.

اقترب سليم من الطاولة.

— الجيش؟

— مفتاح.

— الأمن؟

— مفتاح.

— الخوف؟

— المفتاح الأكبر.

سكت سليم.

ثم قال:

— لكن كيف استطاعوا أن يجعلوا الناس يحرسون السجن بأنفسهم؟

أجاب أبو ليان:

— عندما تجعل الإنسان يخاف من المجهول أكثر مما يتألم من المعلوم.

---

كان النظام يعرف أن السلاح وحده لا يكفي.

الرصاصة تستطيع إسكات رجلاً، لكنها لا تستطيع أن تقنع ملايين الناس بأن الصمت فضيلة.

لذلك كان هناك شيء آخر.

الرواية.

رواية تُقال في المدرسة، وفي الثكنة، وفي التلفزيون، وفي الدائرة الحكومية، وفي المقهى.

رواية تقول إن البلاد محاصرة.

وأن العدو في كل مكان.

وأن الاعتراض خيانة.

وأن الحاكم، مهما أخطأ، يبقى أرحم من الفوضى.

قالت مريم:

— لكن الناس كانوا يرون الفساد بأعينهم.

أجاب أبو ليان:

— نعم.

— فلماذا لم يثوروا؟

— لأن رؤية الحقيقة شيء، والشعور بالقدرة على تغييرها شيء آخر.

ثم أضاف:

— قد يعرف الإنسان أن بيته يحترق، لكنه لا يخرج إذا أقنعوه بأن الخارج مليء بالقتلة.

---

دخل نادر، الذي كان قد عمل سنوات في إحدى المؤسسات الحكومية.

جلس بصمت، ثم قال:

— أنتم تنظرون إلى الأمر من الخارج.

التفت إليه سليم.

— وأنت؟

— كنت في الداخل.

— وماذا رأيت؟

ضحك نادر بمرارة.

— رأيت موظفاً يخاف من مديره، ومديراً يخاف من رئيسه، ورئيساً يخاف من الجهاز الأمني، والجهاز الأمني يخاف من القيادة، والقيادة تخاف من سقوط النظام.

قال سليم:

— ومن كان لا يخاف؟

أجاب نادر:

— لا أحد.

ثم أضاف:

— حتى الذين كانوا يبدون أقوياء كانوا خائفين.

قال أبو ليان:

— وهذه هي قوة الاستبداد الحقيقية. أن يجعل الخوف موزعاً بين الجميع.

---

كان الفقر جزءاً من الحكاية أيضاً.

ليس لأن كل فقير كان موالياً، ولا لأن كل غني كان معارضاً.

لكن لأن الحاجة تجعل الإنسان أكثر قابلية للابتزاز.

وظيفة مقابل الصمت.

ترقية مقابل الولاء.

منحة مقابل صورة.

بيت مقابل واسطة.

مخالفة تُغلق لأنك تعرف فلاناً، وحقوق تُهدر لأنك لا تعرف أحداً.

قال نادر:

— حتى الرشوة لم تعد جريمة عند البعض.

— ماذا أصبحت؟

— أصبحت لغة معاملات.

نظر إليه أبو ليان.

— حين يفسد القانون، يصبح الفساد قانوناً غير مكتوب.

---

ثم جاءت الحرب.

وهنا انكشف كل شيء.

لم يعد الخوف فكرة.

صار جثة.

وصار الفقر جوعاً.

وصار الولاء جنازة.

وصار الوطن كلمة يتنازع عليها الجميع بينما يدفن الفقراء أبناءهم.

جلس سليم طويلاً دون كلام.

ثم قال:

— ومن كان المستفيد؟

أجابه نادر:

— في الحرب، هناك من يخسر بيته، وهناك من يربح من بيع الحديد الذي كان في البيت.

نظر إليه أبو ليان.

— لذلك لا تسأل فقط: من أشعل النار؟

ثم ضرب بإصبعه على المفتاح.

— اسأل أيضاً: من باع الحطب؟

---

رفع سليم المفتاح.

— إذن لماذا احتفظ أبي به؟

نظر أبو ليان إليه طويلاً.

ثم قال:

— ربما لأنه كان يعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى سلاح.

— ماذا تحتاج؟

— تحتاج إلى باب.

— وأين الباب؟

ابتسم أبو ليان.

— داخل الإنسان.

اقترب سليم من النافذة.

كان الفجر قد بدأ يظهر.

قال:

— وهل يمكن لشعب خائف أن يفتح الباب؟

أجاب أبو ليان:

— يبدأ الأمر برجل واحد يقول: لا.

ثم امرأة تقول: لا.

ثم جندي يسأل نفسه قبل أن يطلق النار: لماذا؟

ثم أم تسأل: لماذا مات ابني؟

ثم فقير يسأل: لماذا بقي فقيراً؟

ثم مواطن يسأل: لماذا يحتاج الإنسان إلى واسطة كي يحصل على حقه؟

ثم تتجمع الأسئلة.

وعندما تصبح الأسئلة أكثر من قدرة السلطة على إسكاتها...

ينهار الباب.

نظر سليم إلى المفتاح.

لأول مرة لم يره قطعة حديد صدئة.

رآه سؤالاً.

وسؤالاً لا يمكن اعتقاله.

وفي الخارج، كان الفجر يفتح نافذة صغيرة في جدار الغرفة التي لم تكن لها نوافذ.
كُن أول من يترك تفاعلاً على هذه الكتابة! 🌟

تعليقات الصفحة

لا توجد تعليقات بعد على هذه الصفحة.